data="http://portsaidhistory.com/themes/Magedfci/xspf_player_slim.swf?playlist_url=http://portsaidhistory.com/themes/Magedfci/test.xspf&autoplay=1&autoresume=1">

أحدث الصور

في مبنى القبة ببورسعيد أثناء توجه الزعماء الثلاثة جمال عبد الناصر وخرشوف رئيس الإتحاد السوفيتي وعبد السلام عارف رئيس العراق لركو

أحدث الفيديوهات

موقع تاريخ بورسعيد


شريف العصفوري

كتب شريف العصفوري :

أم الخلول و أبوها تذبل الورود دون قبلات الماء لها ، و خصب الجذور تغذيها ، أما إزدهار المدن فبحضارة معمريها ، و لا تبكي العمائر إلا عشق من يطليها . في آوان الحرب ، و بين راحات المحاربين و قبوع المهاجمين ، عدت لمعشوقتي مدينتي الصبية ، الناضرة الخدود ، رطبة الشفاه تنتظر معانقيها. خلت شوارعها من جريان الحياة ، و رأيت في مكان ألعاب طفولتي بطاريات لمدافع ميدان بدلاً من زمبلك سيارة المطافئ التى أضحكني سارينة زماراتها. فوق سكناي مضادات لطائرات و في مدرستي كتيبة للصاعقة ، أُغلقت شوارع و تحزمت أخرى بالأسلاك الشائكة ، و تمركزت بحديقتي سرايا لدبابات .

 

 


كل أسبوع تنطلق صافرات الإنذار كتجربة لإغارة طائرات العدوان علينا و على أشقائي. جنود بلادي أعياهم الإنتظار .. و يتحفزون للنصر أو الموت أو لأي مصير غير التجمد في الخنادق من طول الصبر. هجر المدينة سكانها و ما عادوا يأتون لزيارة إلا قليلا ، تضخمت الأشجار و ربت النخيل سعفها كلحى ، أولاد الأشجار تملؤ الأسفلت و الأرصفة .. توحشت حشائش الحدائق و ما عاد النجيل الأخضر يسع محبين يرتاحون من الوقوف أو العفاف. ما كنت أعرف أن بعض الحياة يقتل شقيقه الآخر بمثل هذا النهم . حارت القطط لماذا كانت الحرب مرتعاً للفئران ، و صارت الأخيرة في حجم صغائر الكلاب ! .

 


متاريس و حصون تعوق نفاذي لشاطئ البحر .. إلا منفذا صغيرا بجانب الإستاد الذى مازلت أسمع صيحات المشجعين به تدوي بعد أربعة سنوات من هجرانهم المدرجات . إزدادت رمال الشاطئ إبيضاضا ..و تطهرت من رسوم أقدام البشر ، و مخلفات حياتهم و إهمال شئونهم . الأمواج تضحك لرؤياي .. و تزبد على جانبي ثغرها .. فأسرع خالعا أدثاري لأعانق و لأعشق بعد طول إنتظاري. ماء بحري دافيء يغلي لملامستي سطوح مياهه ، أخترق عمق البحر .. أسبح إلى ما بعد جزائر الرمل و طمي النيل. أحاول أن أنفذ إلى جزيرة أخرى ليس فيها حرب و لا قتل !! دون جدوى . أتذكر قاع البحر .. أحضر صفيحة سمن و أثقب قعرها بمسمار ،أجرف رمال قاع البحر فتسري المياه و الرمال و أحتجز "أم الخلول" و أصطاد أم الخلول .. كبرت و أزدهرت لما زال عنها ظلم أهالينا .. في عشرة خطوات اصطدت كيلو أو ربما أكثر من أم الخلول. أثناء عودتي ثملا بصيدي ..

 


وجدت "الحناجل" حفرت حول مقاعد شمسيتي !! فوسوس لي الشيطان بأن أسكب الماء في جحورها التي بنتها بعيدا عن أعلى خط لمد البحر .. فتخرج هرعة .. جازعة و لا تدري أنها مداعبة من عاشق للبحر و ليس بصياد. على بوغاز أشتوم الجميل .. يكاد سمك البوري و الشبار يقفز ليرتطم بسناري .. البحيرة ملئانة بالخير .. و البحر مرتاح من سعي الصيادين و الساعين للرزق .. هدوء شامل حاضن .. هواء ناعم .. لا تقطعه في الصباح إلا شقشقات العصافير في الشروق .. و صفارات الوطاويط ما بين المغرب و العشاء. في المساء .. رغيف من الخبز الشامي الأبيض .. و كوب من الخل مع الليمون و الثوم و الكمون .. و قليل من ملح البحر في الطعام .. و بعض الملح تسلل لتشققات وجههي و بين ثنايا لساني .. أبو الخلول قبّل أمها مئات المرات.

 

ذكريات مستبقي في بورسعيد أيام الهجرة 1969-1974 

 

شريف العصفوري 

 

يناير 2015م. 

لم يتم تقييم الموضوع حتى الآن

AddThis