data="http://portsaidhistory.com/themes/Magedfci/xspf_player_slim.swf?playlist_url=http://portsaidhistory.com/themes/Magedfci/test.xspf&autoplay=1&autoresume=1">

أحدث الصور

في مبنى القبة ببورسعيد أثناء توجه الزعماء الثلاثة جمال عبد الناصر وخرشوف رئيس الإتحاد السوفيتي وعبد السلام عارف رئيس العراق لركو

أحدث الفيديوهات

موقع تاريخ بورسعيد


بحيرة المنزلة

 

كتب السيد الخميسي : هيلا ليصا هيلا

 

قال أبوه : ابق معي وسأحضر لك حصانا من الشيكولاتة

- سأذهب مع أمي

تلك المركب مملوكة لأحد أخواله ، تنقل إلى البلدة الرمل الأصفر وأحجار البناء الحمراء ، وبعض المسافرين .

"النسايمة" واحدة من تلك القرى المتناثرة على تخوم البحيرة , يسكنها صيادون وفلاحون ، تنحدر أمه من سلالة الصيادين .

خرج أجدادي إلى البحر ، داست أقدامهم , تلك الأرض الشاطئية المنعزلة ، قبل أن يشاركهم فيها الوافدون من الأخلاط , والأجانب الغزاة .

يرفع خالي "الحلة" الكبيرة من النار ، "يسمّي" ويغرف من الأرز الأحمرالدسم ، دفن فيه ما قسم الله من أطايب البحيرة .

تقول أمي : لايطبخ أحد "المدفونة" كما يطبخها "المراكبية"

يقول خالي : سمك يخرج من الماء إلى النار ما ذا تنتظرون أن يكون طعمه ؟

يقول المراكبي : الريح "مِنَسّم" وشك حلو يا "عربي" , يملأ الهواء القلوع ، تنساب المركب برشاقة مائلة على جانبها الأيسر ، صوت الارتطام على الجانب الأيمن المرتفع , ورشاش الماء المندهم يدغدغ الحواس ، يرفض أن يبقى في "الخن" أسفل السفينة ، تسلمه أمه لأخيها يمرح على سطح المركب المحدب الخطر .

 


يركب ذراع الدفة الغليظ ، يتعلق بالحبال ، ينبطح على الخشب "الملياط" الذي حال لون دهانه القديم ، يقبض الماء الذي يفر من يديه مخلفا تلك الكهرباء الساحرة في أصابعه وروحه .

- حاسب عروسة البحر تسحبك من يدك وتغوص بك عند أهلها ولا تعود

يحب هذا الخال المراكبي .. عالم من الخيال , وإن شئت الدقة , عالم من الواقع الرحب , معه تتعدى البحيرة مائيتها و"زبدها" و"غَلَتَها" و"حَشَفَها" وطينها ورملها وقواقعها وشواطئها وقمرها وريحها ، تتحول إلي كائن حي , على نحو ما يتحدث ويتواصل ، يكتمل بناسه وأسماكه وجنه وعفاريته ..

مع هذا الخال المراكبي ، تعلمت لغة الكائنات .

لا يتذكر من"النسايمة" سوى بيت خاله المطل على البحيرة ، أمامه مرسى كبير لمركبه الكبيرة , خلفه تمتد حقول الأرز المغمورة بالماء العذب يسبح بين شتلاته البعوض المتوحش ، وتلك الشجرة على رأس "المدق" المؤدي إلى مساكن القرية الريفية ، والذي ينفرع إلى "مدق" آخر صغير يؤدى إلى المقابر .

 


من فوق هذه الشجرة قفز "كمونة" إلى البحيرة مع الأطفال القافزين ، سقط في الماء "الدَرَاك" على رأسه " زرع بصل " ، شج رأسه ، كادت تنقصف رقبته ويموت ، ضج أطفال القرية بالضحك على هذا "البورسعيدي" الغشيم الذي ضحكت عليه "الجنية" .

تحت هذه الشجرة في الغروب نلتف حول خالي ، نستمع إليه وهو يحكي عن"الجنية" التي تسكنها .. تختار من الشباب الذاهبين إلى القرية بالليل أكثرهم فتوة وجمالا , تغريه بوسائلها التي لاتقاوم ، يذهب معها إلى المقابر ، تشرب دمه .. أنظروا يمسك خالي بعود صلب ، ينحت لحاء الشجرة فيسيل ما يشبه الدم .

يقول : إذا جف هذا الدم نعرف أن أجمل شباب القرية سيزور المقابر , وغالبا لا يعود ، وإذا ما عاد يعود "مخاويا" "ممسوسا" , يهيم على وجهه في شوارع القرية بالنهار , ويرجع إلى المقابر بالليل .

- لماذا يعود إلى المقابر يا خال ؟

- أصبح "مجذوبا" .. جذبته الجنية بجمالها

- أريد أن أصبح "مجذوبا" يا خال

يضحك الأطفال من هذا "البورسعيدي" الأحمق الذي يحسد المجاذيب على ذهاب عقلهم .

يقول خالي : في موسم الفيضان تدب الحياة في كل شئ ، تهتز الأرض , تربو ويتفجر خيرها ، حتى الماء في البحيرة يكاد أن يصبح عذبا فراتا , يتقافز فيه السمك الغزير من كل نوع شبعانا دسما , نقبضه بأيدينا من الجحور التي صنعتها أقدامنا في طين البحيرة الخصب ، يختلط "المالح" "بالحلو" والأرض بالأرض والخير بالخير ..

بيت خالي في " مرج البحرين "

في بورسعيد كثيرا ما أذهب في الليل وحدي إلى "المردة" , عند المدخنة الطويلة , أنتظر "العون" الذي وصفه الخال .. لماذا لا يظهر ؟ .. تسحبه الجنية من يده وتغوص به إلى القاع ، عالم ملئ "بالدلافين" المقهقهة , وحوريات البحر ، تلمع زعانفهن وذيولهن في الضوء الأزرق والفضي ، أصداف مذهبة وقواقع من نور ..

يطأ سمكة بنية لزجة ، حصان الشيكولاتة الذي احتضنه ونام تحول إلى فطيرة بنية لزجة ، صوت أبيه وهو يحمله على يديه , يعلمه السباحة في الماء الرائق المنعش : اسمع كلامي ابق معي أحسن لك

 


يقف الهواء تماما ، المركب التي تمخر الماء جذلة مجلجلة أصابها الشلل ، فجأة تقف عاجزة كصخرة ميتة ، انكفأ صدرها في الماء مثل طائر قتيل ، فقط الحر والرطوبة التي " تشر" عرقا من أجسامنا المختنقة . . ينزل الرجال إلى الأرض القريبة يجرونها باللبان .

هيلا ليصا

هيلا

هيلا ليصا

هيلا

صوتهم شجي وعميق .. وحزين

على رأس المركب , يقف الخال ، طويل مثل "إله" فرعوني مهيب ، في يده "مدراة" , طويلة يتحسس بها القاع , الذي يحفظ تضاريسه تماما , يتخذ لمركبه طريقا آمنة , وسط تلك المياه الضحلة القريبة من الشاطئ ، عضلاته التي تلمع في ضوء القمر , أشد صلابة من "المدراة" التي في يده

- الهمة يا رجالة

" هيلا ليصا

هيلا

هيلا ليصا

هيلا " 

*** 

 

السيد الخميسي

سبتمبر 2012

 

تقييمك هو : None قيم الموضوع من هنا : 5 (2 votes)

AddThis