data="http://portsaidhistory.com/themes/Magedfci/xspf_player_slim.swf?playlist_url=http://portsaidhistory.com/themes/Magedfci/test.xspf&autoplay=1&autoresume=1">

أحدث الصور

في مبنى القبة ببورسعيد أثناء توجه الزعماء الثلاثة جمال عبد الناصر وخرشوف رئيس الإتحاد السوفيتي وعبد السلام عارف رئيس العراق لركو

أحدث الفيديوهات

موقع تاريخ بورسعيد


قطار الدلتا

 

كتب السيد الخميسي :

يخرج الضفادع الميتة المنتفخة ويبكي ، وضعها كمونة في حوض الغسيل الكبير ، المبني من الطوب الأحمر ، تحت حنفية المياه الضخمة ، في مدرسة "أجا" الإبتدائية .

أقمنا في مبنى المدرسة ، يقتسم "الفصل" عائلتان , أخذ أبي فصلا كبيرا , لنا ولعمتي وأولادها

- لماذا يفعل ذلك يا أمي ؟

- مسكين "كمونة" قلبه غير رحيم

بامر الحكومة تتجه اللنشات والمراكب إلى المطرية ، ومنها يتم توزيع المهاجرين على كافة محافظات مصر .

استقبلنا الفلاحون أولا بالطعام والعطف ، يتسابقون في إكرامنا وإنزالنا من السيارات الضخمة التي أتت بنا من المطرية .

مع الوقت لم نعد ضيوفا صرنا "مهاجرين" ، كلمة جديدة في قاموس الشعب المصري , ذكرتنا بكلمة "لاجئين" التي نسمعها فتثيرفي نفوسنا الشفقة على إخواننا الفلسطينيين ، آه من هذه الشفقة القاسية .

 

ظل الفلاحون ينظرون إلينا باندهاش وحذر ، عاداتنا لها طعم البحر كما إننا لم نتقبل بسهولة , هذه الحياة الريفية التي تنام من المغرب .

جاءنا أبي مصابا بشلل في وجهه , يغطيه "بتلفيعة" كبيرة حتى لا نرى فمه المشدود جهة اليسار قال الطبيب : لفحة برد شديدة .. علاج بسيط ويشفى إن شاء الله

يفرش أبي فرشته على البلاط , وينام بجوار باب الفصل حتى يحرس الجميع , في "بورسعيد" ينام على سرير ضخم بأربعة عمدان حديدية , ومراتب تحرص أمي أن تضعها في الشمس كل صباح ، خرجنا من " الدار للنار " .. كان يجب أن نبقى في بورسعيد .

أصبح عمي عصبيا ، كثرت احتكاكاته بشباب الفلاحين ، نذهب يوميا أنا وهو إلى "المنصورة" , لعمل جلسات الكهرباء على وجه أبي ، لم أفهم كيف تشفي الكهرباء الوجه المشلول ، نركب قطار"الدلتا" الصغير البطيء الذي يشبه اللعبة ، يتهادى وسط الحقول الخضراء وعلى كوبري "أجا" الرفيع الذي رأيت المياه وقد جفت تحته , والفلاحون يقبضون الأسماك الحية من الطين "الرائب" بأيديهم ، ورأيتهم يتنقلون بين الضفتين البعيدتين على أرجلهم , خائضين في الطين الأسود ، تعجبت يومها , كيف أصبح الكوبري بعيدا جدا ومرتفعا ، رأيت أيضا الماء البني يتدفق في دوامات عكرة , مسرعا ومحتدما , وله هدير يشبه هدير بحرنا في يوم هائج .

أسير على حافة النهر ، أتعلق بهذه الأشجار التي ترسل أحبالها إلى الماء ، أقذف ثمارها التي تشبه قرون الخروب الكبيرة ، لم تعد هناك قرون في متناول الشاطئ ، القرون الكبيرة وحدها بعيدة ومتحدية ، أضربها فتسقط في الماء المندفع الغاضب ، أتتبعها إلى أن تقترب من الشاطئ ، أحاول انتشالها بأطراف أصابعي ، أنجح قليلا وأفشل كثيرا ، أجد عمي جالسا تحت شجرة ، ينظر إلى الماء وهو شارد ، يرسم "الضامة" في الأرض الرملية المنبسطة ، يعلمني كما كان يفعل على رمل"بورسعيد" الناعم ، يراقب عن بعد بناتنا عصرا , وهن متجمعات تحت الأشجار , قريبا من الماء ومن باب المدرسة ، يحكي لي أخبار بورسعيد ، كيف اختطف الفدائيون "مورهاوس" وكيف فجر "عسران" "ويليامز" .

في الليل أرى نفسي راكبا دراجتنا "الرالي" السوداء الكبيرة , مستدرجا "مورهاوس" إلى كمين الفدائيين .. ليتنا لم نهاجر .

أحمل فانوسا صغيرا ، أخرج إلى الحقل القريب أريد الهواء ، مزق البعوض جلدي ، ليل الريف أسود وثقيل ، الأرض نائمة ، الأشجار نائمة ، لا يصحو في ليل الريف سوى الضفادع المسكينة ، وهذا البعوض المتوحش ، سماء الريف مظلمة ليس فيها نجوم ولا قمر .

تحتبس الصرخة في حلقه قليلا قبل أن تخرج منشرخة مثل سهم أفلت وتره ..

- لماذا عيون الكلاب هنا مخيفة ياأمي ؟

- حمدا لله على سلامتك .. إنه ذئب

- ذئب ! .. لماذا خلق الله هذه المخلوقات المتوحشة في صورة الكلاب ؟

 

 

 

 

*** 

 

السيد الخميسي

نوفمبر 2012

 

لم يتم تقييم الموضوع حتى الآن

AddThis