data="http://portsaidhistory.com/themes/Magedfci/xspf_player_slim.swf?playlist_url=http://portsaidhistory.com/themes/Magedfci/test.xspf&autoplay=1&autoresume=1">

أحدث الصور

في مبنى القبة ببورسعيد أثناء توجه الزعماء الثلاثة جمال عبد الناصر وخرشوف رئيس الإتحاد السوفيتي وعبد السلام عارف رئيس العراق لركو

أحدث الفيديوهات

موقع تاريخ بورسعيد


عش الدبابير

 

كتب السيد الخميسي :

عجيبة ذاكرة الأطفال ، أتذكر حادثتين كأنهما حدثتا بالأمس فقط ، "الأولى" : عندما حاولت أن أمسك القرن الكبير , قبل أن ينفلت إلى المنطقة التي لا أطوله بعدها ، زلقت قدمي بكومة القش الذي وقفت عليه ، كاد الماء الهادر أن يأخذني في دواماته الغاضبة ، وأنا متشبث بالطين ، أنزلق قطعة فقطعة ، أنفلت إصبعا فإصبعا , لولا أن ساقت الأقدار عمي .. أنا مدين بحياتي لهذا العم الجميل ، الفارع الطول ، بجسمه الهرقلي ، وعينيه الواسعتين ، وحاجبيه المرفوعين إلى أعلى في اندهاش واعتزاز وثقة ، وأنفه الصغير الحاد ، كرأس حربة من الذهب ، وحيائه واحمرار وجهه إذا أطالت الفتيات النظر إليه ، كل فتيات القرية يطلن النظر إليه ، كل شباب القرية يتحرشون به ، ومنهم من يعلم حياءه ومروءته .

" الثانية " : لا أتذكر ما الذي أصابني بالجنون فتسلقت مواسير المدرسة , حتى اقتربت من سطوحها ، وضعت يدي في عش للدبابير في أعلاها ، تلسعني الدبابير وأنا اهبط مسرعا ، لو تركت يدي لسقطت ميتا لا محالة ، عند منتصف المسافة تقريبا أسقط ، بقيت فترة طويلة على الأرض لا أقدر على الحركة حتى أتى من رآني ، ظن الجميع أنني هالك .

أفيق من الحمى أجد الحارس العجوز على رأسي ، نزع أطراف الدبابير العالقة بجسمي ، غطى الجروح بالطين وانتظر ،

قال : هذا هو العلاج الوحيد

يتعجب لكثرة الإبر العالقة بلحمي ، الوحيد الذي عرف السبب هوعمي ، أخبرته عندما جاء ولم يخبرأحدا .

إلى المنصورة أذهب مع أبي وحدي , في الأيام التي يختفي فيها عمي ثم يعود مغبرا وهزيلا .

- أين كنت ؟

- في بورسعيد

- كيف دخلت .. وكيف خرجت ؟

- ربنا سلم

قالت أمي لأبي : امنعه يا رجل .. سيموت

قال أبي : دعيه في حاله .. سيموت إن بقي هنا

كانا يعرفان أنه يرافق الفدائيين ، في دخولهم وخروجهم من المدينة .

في الأيام القليلة التي يقضيها عمي في "أجا" ، أستيقظ معه في الفجر ، نجري سويا بمحاذاة الطريق عدة كيلو مترات ..

يقول : الجري في الصباح قوة للروح والجسم وإطالة للنفس

أعود وفي قلبي وعقلي أحاديث عمي .. أعود دائما وفي جيبي , حبات خضراء طازجة مما تنتج الأرض ، ألتقطها من الطريق ، يبدو أنها تسقط من أحمال الفلاحين عند النقل .. هذه " بشاير" أنت مرزوق يا بني وطريقك أخضر , يقول حارس المدرسة العجوز وأنا أدفع إليه ببعض ما أجد .. يتأمله في سعادة قبل أن يمسحه في ثوبه ويضعه في فمه قليل الأسنان .

قلت : أريد أن أركب حمارا

في اليوم التالي أتى بحمار ، وضعني فوقه وتركني .. بعد أن انفلت الزمام وانطلق الحمار ، يفتح العجوز فمه قليل الأسنان ويضحك , حتى ابتل شاربه بالدموع , وأنا أصرخ والحمار يقفز في الأرض الزراعية , عابرا هذه الجذوع فوق مجاري المياه , وجائسا في الأرض المخططة , حتى وصل إلى بيت أهله .

وأنا عائد مع عمي والعجوز , رأيت " الساقية " في دورانها البطيء ، أسمع صوت احتكاك الخشب العجوز الثقيل الذي يشبه الأنين ، أتأمل الحيوان الصابر وهو يدور ويدور و يدور .

- لماذا تحجبون عينيه ؟ .. حرام عليكم

يقول العجوز : الأرض غالية يا بني .. ربنا يرجعكم لأرضكم بالسلامة

عجبا أليست مصر كلها أرضنا ؟

لماذا إذن نشتاق لتلك الأرض المالحة المشققة كل هذا الشوق ؟

 

*** 

 

السيد الخميسي

نوفمبر 2012

تقييمك هو : None قيم الموضوع من هنا : 5 (1 vote)

AddThis