data="http://portsaidhistory.com/themes/Magedfci/xspf_player_slim.swf?playlist_url=http://portsaidhistory.com/themes/Magedfci/test.xspf&autoplay=1&autoresume=1">

أحدث الصور

في مبنى القبة ببورسعيد أثناء توجه الزعماء الثلاثة جمال عبد الناصر وخرشوف رئيس الإتحاد السوفيتي وعبد السلام عارف رئيس العراق لركو

أحدث الفيديوهات

موقع تاريخ بورسعيد


شريف العصفوري

كتب شريف العصفوري :

بورسعيد مثلها مثل القاهرة الإسماعيلية (المبنية على عهد الخديوي إسماعيل و إسم ميدان التحرير الأصلي) و مثل الإسكندرية المبنية بعد دمار الغزو البريطاني سنة 1882 ، هي نماج المدن المصرية الحديثة ، و الجماليات المعمارية بها هي منتوج طبقة حضرية إما أوروبية فعلا أو مأروبة الثقافة و التأثر بطبقة عليا و متوسطة تنظر نحو الأساليب المعمارية الغربية كنموذج .

العمارة كفن و كعلم .. هي مظهر من مظاهر الثقافة في مجتمع ما ، التقاليد و التجديد دائما ما تتصارع داخل المنظومة القيمية للمجتمع في حالته الحضارية و زمانه الآني .

الطرز المعمارية "القوطي" ، "الرككوكو" ، "الباروك" هي علامات على طريق المجتمعات الغربية ما بين تجاذبات التقليد و مبادرات التجديد في ظرف حضاري معين من الثراء المادي و إنتصار ثقافة مجتمعية و سياسية معينة.

الطراز "القوطي" يبتعد عن الألوان و يميل إلى القتامة و حلياته المعمارية تمثل أساطير و شخوص سوداوية متأثرة بالتراث الديني و الشعبي لعصور ما  بين القرون 13-16 . بينما "الباروك" يمثل انعتاق أوروبا من السطوة الدينية و إنفتاح على الألوان و التصوير و النحت برمز لقوة الأرستقراطية المدنية الحديثة .

 


الطراز  المعماري "النيوكلاسيك" المشتهر ببريطانيا و الولايات المتحدة –على سبيل المثال- يمثل بساطة الفكر الديني البروتستانتي مع توجه فكري حضاري نحو التواصل مع الحقبة الكلاسيكية الإغريقية القديمة .

نعود لبورسعيد (النموذج المصري الحضري) ... كان حي الإفرنج بمواجهة القناة ، في عدة شوارع طولية ما بين شارع "فرانز جوزيف" فلسطين حاليا و شارع "محمد علي" الشهداء حاليا يمثل مربعا من 500 متر مضروبا في 500 متر كمحطة أوروبية على مدخل القناة . بينما حي العرب المحصور ما بين عبادي شمالا و كسرى جنوبا و ما بين محمد علي شرقا و الأمين غربا ..   هذان كانا نصفا بورسعيد الأوليين .

و بالنظر مليًا لإجمالي التراث المعماري لبورسعيد بحييها الأصليين .. سوف نجد العمارات المتميزة معماريا في حي الإفرنج هي عمارات تعد على أصابع اليدين (لاتزيد عن عشرة) ..و هي عمارات لا تتميز ببزخ الزخرف أو  ضخامة البناء ...و حتى الطراز المعماري لمبنى قناة السويس فهو طراز "تقليدي" عثماني يخلو حقيقة من التجديد أو من عناصر الإبهار في مبنى في بداية القرن العشرين .

و يكاد يخلو مربع حي العرب من أية انجازات معمارية ..على الإطلاق !! و هذه ليست دعوة للهدم و لكن لدراسة التيارات المعمارية .. فغالبية دول العالم تحتفظ بتراثها المعماري الدال على تاريخها حتى لو كان يمثله سجن أو قلعة لخطف العبيد .

على المستوى الإجتماعي/ الإقتصادي ... كان النزوح من أعماق الريف المصري إلى بورسعيد يحمل على قمته روح تجارية من بعض الطبقات المتوسطة (متوسطة التعليم) من أصحاب المهن الحرب أو التجارية مع غالبية من العمال (الأميين) بمهارات عمل قليلة أو منعدمة . و انحسر الوجود "المصري الوطني" في أجهزة الإدارة الحكومية بينما تولى الوظائف التجارية و الإدارية في قطاع الملاحة و البنوك و التأمينات المتعلمين من الجنسيات الأخرى غير المصرية (مع التحفظ على أن بعض الجنسيات كانت تابعة للجنسية العثمانية و تعامل على أنها محلية ) . و جرى تقدم أعداد المصريين المشتغلين بالقطاعات المذكورة بتحسن مستوى التعليم و إتقان اللغات الأجنبية .

 


مع عشرينات القرن العشرين برز طراز معماري أوروبي يخلو من الزخارف و يركز على ضخامة البناء كرمز للدولة القوية ( طراز معماري فاشي و ستاليني) .. و للغرابة تمثلت البنايات معماريا من الخمسينات بمصر عموما و ببورسعيد بهذا الطراز ( أمثلة : مبنى مجمع التحرير ، مبنى المحافظة و المحكمة ببورسعيد ) .

يبقي من كل البنايات عمارة دور العبادة .. فالمسجد التوفيقي الأصلي .. كان أميل للعمارة الوظيفية التى بالكاد تهتم بالوظيفة المعمارية بإختصار و تبسيط شديد ، ثم المسجد العباسي الذى أيضا كان بسيطا معماريا و بالحد الأدنى من الجماليات المعمارية أو الزخرفية الإسلامية .

 


دور العبادة المبنية في الخمسينات من القرن العشرين تشهد بتحسن الحالة الإقتصادية لغالبية المصريين (جامع لطفي شبارة و الرحمة و صبح) و لكن دون التجرؤ على التجديد المعماري .

أما دور العبادة المبنية في الثمانينات و التسعينات ( مسجد السلام ببورسعيد ، و مسجد الأوقاف ببورفؤاد) فتحمل علامات الثقافة المصرية في حالتها الراهنة . هي ثقافة أغنى ماديًا  من الفترات السابقة ، و مرتبطة برغبة الدولة و قدرتها ، و فيها تجمد التجديد و محاكاة ل"مفهوم" معين عن الماضي و دلالاته. فرغم أن المئذنة و القباب ليست من الدواعي الدينية و لا الوظائفية ، و لكنها تراث مكتسب فجرى التعامل معماريا مع المآذن و القباب بطريقة ميكانيكية تقليدية تماثلية (سيمترية)  أقرب إلى "الإجترار" منه إلى التجديد أو إعادة الدراسة أو حتى المراجعة ..فبينما كانت المآذن ضمن الوحدة العضوية للمساجد قديما .. خرجت المآذن عن الوحدة العضوية للمبنى و أصبحت قائمة بذاتها . فارتفاع المآذن لا يدل على جمال المبنى بقدر ما يدل على تحدي قانون الإرتفاعات .

 


80% من مباني بورسعيد و بورفؤاد هي مباني مبنية بعد 1974 ، و يكاد يكون كلها سواء تلك الخاصة بأغراض السكن أو الإدارة أو التجارة مباني قبيحة معماريا رغم أنها كانت أحسن حالا من مباني ( أحياء العرب و المناخ و العزب قبل 1974 ) .

أستطيع أن ألخص المعضلات المعمارية ببورسعيد (كنموذج الحضر المصري) كالآتي :-

1.       غياب طبقة حضرية ممكّنة لفرض قيم جمالية معمارية.

2.       سوء الإدارة الحكومية لمنظومة إدارة البناء و التنظيم الهندسي و لعقود طويلة تولي من غير المتخصصين هندسيا تلك الإدارات ( التخصص المثالي : عمارة و تخطيط عمراني ) .

3.       سوء و تدني التعليم الهندسي عموما و بالذات الهندسة المعمارية ، و إنحطاط المستوي الذوقي و الفني في السوق التجارية المعمارية .

4.       محاصرة روح المدينة "الحضرية" بهجرات عالية من الريف و تغلب الروح الوظائفية على الجماليات المعمارية حتى تم مناقضة الأصول الفنية للبناء لأغراض الإسكان أو الإدارة أو التجارة .

5.       ضيق المساحات و ندرة الأراضي للتمدد السكاني و الحضري مما أعطى دافعا قويا للإدارة الحكومية و القطاع الخاص للتغاضي عن القيم الجمالية .

6.       بشاعة العمارة و التخطيط في مشروعات مثل الممشى السياحي على القناة و غالبية مقرات الإدارة الحكومية الجديدة (دواوين الأحياء و إمتدادات الحكم المحلي و المحافظة) .

7.       يقبع أصل المشكلة في عمارة الحضر في الريف المصري حيث لا يمثل الريف بحالته الحالية مزرعة للأفكار المعمارية المحلية أو حتى تراثًا يبني عليه .. فالزيادة السكانية الإنفجارية جعلت الريف المصري مزدحمًا ضجيجًا متربًا و فقيرًا .. و الهجرة من الريف إلى المدن تحمل معها تلك القيم إلى جانب القيم السلبية الريفية الأخري من العصبية الجهوية و القبائلية و الفردية المطلقة و العداء للنظام العام .

8.       إنفصال إدارة التمدد الحضري بمشكلات النقل و المواصلات و الكثافات السكانية . هي مشكلة إدارية حكومية مصرية ، وحتى في الفكر الهندسي الإستشاري المصري .

9.       الجمال المعماري .. أو حتى حسن التخطيط هي إنعكاسات لثقافة المجتمع ، فالعشوائية و الغوغائية و الفوضى و الإجترار هي مشاكل ذهنية سائدة في المجتمع قبل أن تظهر على العمارة و الحجر .

 


 

الخلاصة : المدن تقوم على أكتاف طبقة حاكمة تكون عمارة المدن تمثل ثقافتها و تطلعاتها ( فيلات عبد الرحمن لطفي باشا و طيرة ) ، و طبقة متوسطة تقوم بالوظائف العامة و الإدارة و الخدمات كلما زاد ثراء المجتمع زاد ثراء الطبقة المتوسطة العريضة ( موظفين و عمال هيئة قناة السويس) .. قارن بين إسكان هيئة قناة السويس قبل و بعد التأميم !! . المدن الحديثة ترعي الطبقات الأقل قدرة إقتصاديًا و تقيم نُظمًا تعين الطبقات الغير قادرة على السكن المناسب .. ( المشكلة في بورسعيد أن الإسكان الإقتصادي شاغليه لا يستطيعون صيانته و لا حتى المشاركة في تكلفته لأسباب الفقر العام و الإرتفاع النسبي لتكلفة البناء في بورسعيد ) .  المدينة قوامها الإقتصاد الناجح .. متى تدنى إقتصادها إلى الطفيلي و النشاطات الإجرامية تحللت روح المدينة و أصبحت ريفًا ممتدًا . 

 

شريف العصفوري 

 

يونيو 2014م. 

تقييمك هو : None قيم الموضوع من هنا : 2.4 (7 votes)

AddThis