data="http://portsaidhistory.com/themes/Magedfci/xspf_player_slim.swf?playlist_url=http://portsaidhistory.com/themes/Magedfci/test.xspf&autoplay=1&autoresume=1">

أحدث الصور

في مبنى القبة ببورسعيد أثناء توجه الزعماء الثلاثة جمال عبد الناصر وخرشوف رئيس الإتحاد السوفيتي وعبد السلام عارف رئيس العراق لركو

أحدث الفيديوهات

موقع تاريخ بورسعيد


شريف العصفوري

كتب شريف العصفوري :

بورسعيد القرية التي كانت على مدخل قناة السويس سنة 1869 ،كان تعدادها 5000 نسمة ساعتها . بورسعيد لم تكن قرية و لا مدينة قبل ذلك . و لا علاقة لها بالفرما (جوار القنطرة شرق) و لا بتنيس (جزيرة ببحيرة المنزلة). بورسعيد لم يبنيها الفراعنة و لا الرومان ولا العرب . بورسعيد (ميناء سعيد باشا) هي إبنة شرعية لمشروع قناة السويس ولدت من أفكار هندسية عصرية فرنسية ، بسواعد وإدارة مصرية (قبل أن تتبلور الوطنية المصرية) .. و بتمويل رأسمالي لتلتحق بورسعيد بمشروع الرأسمالية الكونية .

لم تزدهر بورسعيد إلا مع إزدياد حركة التجارة العالمية الكونية ، و إحلال السفن البخارية مكان تلك الشراعية ، و صعود شرق آسيا من الغفلة الحضارية و تطويره و إلحاقه بسوق عالمي يتمدد . الحرب العالمية الأولي 1914-1918 تضاعف فيها سكان بورسعيد خمسة مرات ، عشرات الآلاف من جنود الحلفاء تعسكروا على ضفة القناة و كانت بورسعيد الحاضرة الأولى بالنسبة لهم ، فأثرى من باع لهم الغذاء و الكساء و الترفيه (العفيف أو غيره) .

ثورة 1919 هي لحظة ميلاد الوطنية المصرية ، أجداد عائلتي هاجرت من دمياط إلى بورسعيد في أعقاب الثورة .. أراد المصريون أن يملئوا كل فراغ بجدهم و عملهم . بورسعيد كانت ساعتها في حدود 25-40 ألف نسمة بضع عشرات من الفرنسيين ، و مثلهم من البريطانيين ، و آلاف من مواطني السلطنة العثمانية من الشوام و المغاربة و اليونانين ( حتى سنة 1923 كان هناك عدة ملايين من اليونان و الأرمن يسكنون آسيا الصغرى و من رعايا السلطنة) .

من أكتوبر 1929 ، غرق العالم في كساد كبير إستمر حتى بداية الحرب العالمية الثانية (1939-1945) ، كانت مصر عموما و بورسعيد خاصة في حالة إنتعاش نسبي فهاجر إليها الطليان .

جيانولا كان واحد من هؤلاء الطليان .. عائلة جيانولا تنتمي إلى منطقة كالابريا بحنوب إيطاليا ، و هي منطقة فقيرة و مهمشة ، عندما توحد جنوب إيطاليا مع شمالها غزت رؤوس الأموال من الشمال و اشترت الأراضي و تحررت الإقطاعيات القديمة ، فهاجر ملايين الطليان خاصة من كلابريا و صقلية إلى العالم الجديد .. و هاجر المئات منهم مناطق الإزدهار الرأسمالي ( الإسكندرية ، بورسعيد ، شنغهاي، .. إلخ) .

لقد تابعت عائلة جيانولا .. فمنهم من هاجر إبان الكساد بنهايات القرن 19 إلى أمريكا .. و هناك شخصية مشهورة"جيانولا" في عالم الإجرام بشيكاجو بأمريكا-إبان فترة منع بيع الخمور في العشرينات- ، و آخرين هاجروا في الثلاثينات مثل صاحبنا إلى سويسرا .

أثناء الحرب العالمية الثانية .. إزدهرت بورسعيد بمثل ما ازدهرت في الأولى .. جيانولا كان أرقى مطعم يقدم المطبخ الإيطالي أو العالمي مع أعظم ما أنتجته إيطاليا من النبيذ و المشروبات الكحولية الأخرى .. إزدهر جيانولا و أصبح مقصد لكبار ضباط الحلفاء و أسرهم و موظفين الشركات الأجنبية التى تتعامل مع الملاحة و البنوك بمنطقة قناة السويس .

 

جيانولا بعد إفتتاحه


جيسبى جيانولا .. تزوج في آواخر الثلاثينيات وأنجب في أواخر الثلاثينات و أوائل الأربعينات إبنتين "فرانسين" و "فرانسواز" .

في تعداد سنة 1947 .. تخطت بورسعيد 190 الف نسمة .. مثل ما كان شرق آسيا يغط في نوم حضاري عميق .. كان الريف المصري يصحو من سبات أزلي ..مصر كانت 2.5 مليون نسمة إبان تولي محمد علي باشا ... بعد ثبات عدد السكان لمئات السنوات ، نتيجة لتحسن ماء الشرب و الغذاء و الخدمات الصحية نسبيا زاد عدد سكن مصر إلى 4.5 مليون سنة 1860 ،  سنة 1947 كان عدد سكان مصر 19 مليون نسمة .

إذا كان عدد سكان مصر تضاعف خمسة مرات من إفتتاح القناة إلى سنة 1947 ، بورسعيد في أقل من 80 سنة تضاعف عدد سكانها 40 مرة !! (من 5000 إلى 197000).

الوطنية أن نحب الوطن و نبنيه .. الشوفينية أن نرى العالم أقل من وطننا .. الإنسانية أن نعمل معا دون تمييز للتقدم و السلام .. الزنوفوبيا هي أن نكره الأجانب وسطنا تحت أية ذرائع .

بإستثناء جنود الإحتلال و الموظفين الأجانب القائمين على الإدارة ، كان المهاجرون الأوروبيون خاصة (اليوغسلاف و اليونانيين و الطليان) .. مكافحون يأتون بمدخراتهم القليلة و خبراتهم الواسعة ليستثمروا و يبنوا حياتهم لأجل أولادهم و أولادنا . اليوغسلاف أمثل كلوفيتش و راجوزيتش ، و اليونانيون أمثل ربابنة قناة السويس الذين لم ينسحبوا عند التأميم و الطليان مثل جيانولا و صاحب فندق أكري .

بداية من سنة 1955 بدأت مصر سياسات "تمصير" بدأت بالبنوك الكبري ببورسعيد ( كريدي ليونيه و باركليز ) ثم امتدت لصناعة ورش بناء و إصلاح السفن (باروخ) .. و بعد أزمة تأميم القناة و حرب السويس كانت هناك إجراءات عقابية من فرنسا و بريطانيا ردت عليها مصر بالمثل .

رحل جيانولا سنة 1957 ، بائعا محله الأشهر إلى موظف لديه "بينو سنجاليا" إيطالي آخر صمم على البقاء     ( عائلة سنجاليا من شمال إيطاليا من منطقة تريستا و مودينا) ، حرب السويس 1956 لم تكن آخر الكوارث التي حلت بجيانولا .. بعد رحيل معظم الأجانب من بورسعيد ، تبعت ذلك التأميمات الإشتراكية التي أممت التوكيلات الملاحية و المقاولات العامة و البحرية و رباط و انوار السفن ، و المخازن العامة بالمناطق الجمركية وغيرها ... و أخيرا و ليس آخرا حرب 1967 .

 

جيانولا أثناء التهجير من إهداء الدكتور خالد عبد الرحمن


إستطاع بينو  الإبقاء على سفينة مطعم "جيانولا" طافية ، و اتخذ من إثنين من المحاسبين المصريين شركاء له(منهم خليل الحويلي إبن خالة والدي ) ، و رغم قرار الحاكم العسكري "إستبقاء" مطعم جيانولا ببورسعيد ما بين أعوام 1969-1974 ، إلا أن مطعم جيانولا إفتتح فرعا في طنطا-الغربية على الطريق الزراعي مصر-الإسكندرية.

في سبعينيات القرن العشرين و أوائل الثمانينات إزدهر مطعم جيانولا مجددا في ظل المنطقة الحرة و  سياحة التسوق من بورسعيد ، و لكن وقع المطعم في مشاكل مع الضرائب التي حجزت عليه و أغُلق حتى اشتراه المهندس /محمد الحفني و أعاد تشغيله في أوئل التسعينيات .

 

جيانولا في ثوبه الجديد الآن


إبن بينو سنجاليا ... أحب بائعة/مضيفة مصرية تعمل في مطعم أبيه ، ورغم معارضة الجميع .. تزوج بها و من أجلها إعتنق الدين الإسلامي.. مطعم جيانولا مازال مطعمًا راقيًا .. و لكن لا تعمل به النساء و لا يقدم المشروبات الروحية .

"فرانسنين" و "فرانسواز" جيانولا مازالتا على قيد الحياة و تعيشان بسويسرا ... و تعربان عن حبهما العميق لمدينتهما و موطن مراهقتهما بورسعيد .

السياحة في كلمتين : أثناء الحرب العالمية الثانية كان عدد أسرة مستشفيات الحلفاء في بورسعيد 3000 سرير!

منها سفن مستشفيات بجونة بورفؤاد !! . 

 

شريف العصفوري 

 

مايو 2014م. 

تقييمك هو : None قيم الموضوع من هنا : 4 (3 votes)

AddThis