data="http://portsaidhistory.com/themes/Magedfci/xspf_player_slim.swf?playlist_url=http://portsaidhistory.com/themes/Magedfci/test.xspf&autoplay=1&autoresume=1">

أحدث الصور

في مبنى القبة ببورسعيد أثناء توجه الزعماء الثلاثة جمال عبد الناصر وخرشوف رئيس الإتحاد السوفيتي وعبد السلام عارف رئيس العراق لركو

أحدث الفيديوهات

موقع تاريخ بورسعيد


جانب من مظاهرات يناير 2011 ببورسعيد

 

كتب: قاسم مسعد عليوة 

-1- 

      تكاد الكتابة فى ـ وعن ـ ميادين الثورات تشبه قرينتها الكتابة فى ـ وعن ـ ميادين الحروب، فلا أحد يجرؤ على الزعم بامتلاكه الإحاطة التامة أو شبه التامة بمشاهدها، وإن أرهص لها وبشر بها وشارك فيها، فالتداخل والتراكب والاختلاط صفات، على صحتها، لا تكاد تتوازى ومحيطات وأقطار ما يكتب فى ـ وعن ـ هذه الميادين.

 

    اكتملت أركان  ثورة 25 يناير 2011 م. بعد ساعات من اندلاع شراراتها الأولى. فى البداية وصفنا أحداثها بالمظاهرات، وما أسرع ما أطلقنا عليها وصف الانتفاضة، الذى تبدل فى ذات اليوم، بأسرع مما كان يظنه أكثر المتفائلين، إلى ثورة. هى بالفعل ثورة لأن نظام الحكم ما عاد بإمكانه أن يحكم أكثر مما حكم، ولأن الشعب ما عاد باستطاعته أن يصبر على مساوئ نظام الحكم أكثر مما صبر. هى ثورة لأنها شكلت بتحققها فاصلا بين عهدين مختلفين، ونظامين متباينين.

     ككل الثورات كانت هناك أسباب لاندلاعها أبرزها: الفساد السياسى والإدارى والاقتصادى، غياب الحريات العامة وهامشية الديمقراطية، التوريث، تزوير الانتخابات، استمرار قانون الطوارئ، معاداة الأمانى الوطنية بالإصرار على تصدير الغاز إلى الدولة الصهيونية، فقدان العدالة الاجتماعية واتساع الفجوات الطبقية والتوزيع غير العادل للدخل القومى والبطالة، انتهاج أساليب القمع الأمنى والتضليل الإعلامى؛ ومع إهمال نظام الحكم السابق لمسئولياته السياسية والاجتماعية تجاه المواطنين إهمالاً تاماً، وممارسة أساطينه لأعمال النهب والسلب، راجت مفردتا الرشوة والمحسوبية حتى أصبحتا من المفردات الرئيسة فى لغة الحياة اليومية المصرية .

    قانون التراكم فعل فعله. ممارسات أحزاب المعارضة، ثم ما كان من حركتى كفاية و6 أبريل، هذه الممارسات التى قوبلت بالحديد والنار، كانت هى الممهدات الأولى للثورة، لكن بؤر التفجر اللاهب تمثلت فى مقتل خالد سعيد بأيدى شرطة الأسكندرية، وحادثة تفجير كنيسة القديسين، ومقتل سيد بلال بعد التنكيل به، ثم ثورة تونس الملهمة. 

 

     ولعبت وسائل الاتصال الإلكترونية دوراً باهراً فى هذه الثورة وهذه الوسائل هى مواقع الاتصال الاجتماعى: الفيس بوك "FACE BOOK"، اليوتيوب "YOU TUBE"، التويتر "Twitter"، ثم المدونات "BLOGS" ومواقع الرسائل الإلكترونية مثل: ياهوو "YAHOO"، جى ميل "GMAIL"، وغيرهما. ومع كل هذا، متوازياً ومتداخلاً، كان التليفون المحمول؛ وكل هذه المواقع والمدونات مشمول ومرتبط بشبكة الإنترنت التى ظهر جلياً أنها شبكة الحلم الجمعى ومستودع للخبرات الشعبية، فعن طريق هذه الشبكة أمكن الاستغناء عن الوسطاء والتحرر من الرقباء وفيها تساوى المستخدمون، ولأنها خارجة عن نطاق السيطرة الحكومية، ولأن الحكومات لم تكن تقدر هذه الشبكة حق قدرها، فقد استمرت فى النظر إلى مستخدميها باعتبارهم "شوية عيال سيس". لذا لم تعرف الحكومة المصرية حين فوجئت بالحشود التى جمعتها هذه الشبكة كيف تتعامل معها ومع مستخدميها فلجأت إلى قطعها، وما درت أن الإنترنت إن هو إلا دولة افتراضية تملك من عدالة النظم والقوانين ما هو مفتقد لديها.

-2-

 

      ما فعله شباب بورسعيد بالتضافر مع شعبها الثائر جدير بما هو أكثر من مجرد التسجيل، فالترتيبات وحدها  التى اتخذت لقدح الغضب الجماهيرى وإشعال شرارات الثورة الأولى تحوى من الفكر الرشيد، والتخطيط السليم،  وصدق التوقع، ما يثبت أن شباب بورسعيد كانوا على مستوى الحدث بالفعل.

    غير الاحتشاد عبر رسائل الإنترنت، والرسائل المشبوبة بالعواطف الوطنية، والإصرار على تحويل عيد الشرطة القاهرة الباطشة إلى يوم للغضب، أظهر الشباب الغاضب وعياً عميقاً وإدراكاً كبيراً بدقائق المشهد السياسى والأمنى داخل المحافظة، واهتم كذلك بالتحضيرالمنظم.

     فى يوم 18 يناير، أى قبل يوم 25 يناير بأسبوع، شهد حزب الجبهة اجتماعاً ضم الشباب من مختلف التكتلات والحركات السياسية وأولئك المتحاورين عبر شبكة الإنترنت، للترتيب لمظاهرات يوم 25 يناير. بديلان وضعهما الشباب لاختيار أحدهما. البديل الأول هو الانتقال إلى القاهرة والمشاركة فى مظاهرتها، والبديل الثانى هو التظاهر فى بورسعيد، واستقر الرأى على البديل الثانى. تركزت حجة الراغبين فى الذهاب إلى القاهرة على ضرورة أن تكون مظاهرة القاهرة كبيرة ومؤثرة، فهى المركز، وصدى نجاحها سيكون عظيماً على مصر كلها، لكن ساورت معظمهم شكوك التعرض للاحتجاز عند أى كمين للشرطة على الطريق السريع أو عند مدخل القاهرة؛ ولما طال النقاش ارتضى المجتمعون إعمال آلية التصويت، الذى انتهى إلى البقاء فى المدينة والتظاهر بها.

 

     اختيرت الشعارات التى سترفع يوم25 يناير وأهمها ما دار حول مفردات ثلاث هى:  "الحرية"، "الكرامة" و"العدالة الاجتماعية"، وتنوعت الشعارات الرئيسة بين، "تغيير.. حرية.. عدالة اجتماعية"، "تغيير.. كرامة.. عدالة اجتماعية"، وهكذا.

 

     وظل مقر حزب الجبهه مفتوحاً حتى يوم 25 يناير ليكون بمثابة غرفة عمليات تحضيرية تردد عليها الشباب من المرتبطين بالأحزاب وغير المرتبطين بها، أبرزهم شباب الجمعية الوطنية للتغيير، حركة 6 أبريل، حملة البرادعى، الغد، التجمع، والوفد؛ وكان المقر ملاذاً ـ أيضاً ـ لمن يطلب الأمان والاحتراز من الاعتقال ممن ينتمون إلى الأحزاب والقوى السياسية الأخرى؛ وكان النشطاء ينطلقون منه ويعودون إليه، ومنهم من كانوا يبيتون فيه لاسيما ليلة 25 يناير خوفا من اعتقالهم لو باتوا فى منازلهم.    

     فى 20 يناير 2011م. اجتمعت بحزب التجمع ببورسعيد أمانة اتحاد الشباب التقدمى، فصيل من فصائل الحزب، واتخذ الحاضرون قراراً بالإجماع للمشاركة فى الاحتجاجات، وكان الشعار عند الشباب التقدمى "خبز.. حرية.. عدالة اجتماعية"؛     وكان لحزب الغد ببورسعيد دوراً بارزاً فى التحضير لمظاهرات يوم الغضب بدءاً من توزيع المنشورات حتى المشاركة؛ واستقبل الوفد ومحاموه عدداً من الشباب الثائر؛ وفتح الحزب العربى الناصرى مقره الشباب المتحفز للتحرك عشية يوم التحرك (مساء يوم الاثنين 24 يناير 2011م.).

 

     من بين المتجمعين بالحزب الناصرى أعضاء فى حركة 6 أبريل والجبهة وحزب التجمع وحزب الغد والجمعية الوطنية للتغيير وحركة كفاية والحملة الشعبية لدعم الدكتور محمد البرادعى رئيساً للجمهورية، وفى هذا الاجتماع تم تداول ومناقشة الكيفية التى ستكون عليها مظاهرة اليوم التالى، واتفقوا على الخروج فى توقيت واحد من مكان واحد، واعتمدوا تشكيل المجموعات وتحديد المسئولين عنها ومسئولى الاتصال.

 

-3-

 

     فى صباح يوم الخامس والعشرين من ينايروبدأت خطوات التنفيذ لتحويله من يوم عيد للشرطة إلى يوم للغضب عليهم وعلى النظام الذى يحمونه.

     أعلن أن مكان انطلاق المظاهرة هو الجامع التوفيقى بحى العرب، وأن موعد الانطلاق هو الساعة الثانية عشر ظهراً، ونشر إعلان بهذا المضمون على صفحات الفيس بوك، لكن ما حدث كان غير هذا.


     تجمع اليسار البورسعيدى بمفهومه الواسع بما يشتمل عليه من أحزاب وتكتلات سياسية فى مجموعتين أولاهما بمقهى (سمارة) بشارع صفية زغلول (شارع أوجينى) بدائرة حى الشرق، وهى المجموعة التى تولى مهمة التنسيق لها إسلام عوض عبد المجيد (تجمع)، والثانية أمام قصر الثقافة وتولى إسماعيل مناع  (تجمع) مهمة التنسيق لها، وإليه انضم أعضاء من حزب العمل الاشتراكى؛ أما النشطاء من حزبى الغد والجبهة والمسئول عنهم عمرو شريف (غد)، وحركة 6 أبريل والحملة المستقلة لدعم البرادعى رئيسا والمسئول عنهم أحمد صابر (غد) فقد تجمعوا فى مقهى (زهرة الشاى) بشارع الناصر فى دائرة حى العرب. عدد آخر من الشباب تجمع بمقهى (النورس) بشارع الناصر بحى المناخ وجاءهم اتصال يفيد بوجود مخبرين بالقرب من مقهاهم، فغادروا مقهى (النورس) إلى مقهى (الجيزى) بشارع سعد زغلول شمالى المدينة، ومنها إلى مقهى (بصلة) فى قلب المدينة وقريب من النقطة المحددة للانطلاق. المتأمل يجد أنهم شكلوا بتنقلهم هذا مثلثاً منفرج الزاوية ضخماً بغية التمويه على الشرطة، مما يشير إلى انشغالهم بالهاجس الأمنى لتفويت فرص الاعتقال أو الإقلال منها، وقد شاهدوا عند تنقلهم من مقهى الجيزى إلى مقهى بصلة عدداً من سيارات الشرطة المصفحة محملة بالجنود فى المنطقة التى كان يقف بها المخبران، كما ظهر تشكيلان من جنود الشرطة أمام قصر الثقافة، لكن فيما يبدو أن هذين التشكيلين قد انصرفا من هذا المكان.

     مجموعة أخرى قوامها عدد من الشابات كن يتمركزن أمام محل "أيس لاند" فى أقصى شمال حى العرب فى منطقة طرح البحر، ويا له من مكان ناء وخفى على شهرته، وكان مسئولاً عنهن عمرو شريف.

     كل هذا كان متفقاً عليه، واتفق أيضاَ على أن يكون الانطلاق من مكان واحد، لكن عبر جماعات متفرقة بحيث تستدعى كل جماعة عن طريق مسئولها إلى المكان المحدد فى التوقيت المحدد. ولضمان عدم الوقوع فى براثن الشرطة لم يكن المكان المحدد هو الجامع التوفيقى، ولم يكن الموعد هو الساعة الثانية عشرة ظهراً، ولم يكن المكان والزمان الحقيقيان معروفين لأية مجموعة من هذه المجموعات، ولا لأى فرد فى أى منها.

     اثنان فقط هما اللذان حددا المكان والزمان واحتفظا به سراً، ولم يصرحا به إلا قبيل الموعد الذى حدداه بعشر دقائق، وهو الوقت الذى قدراه للتحرك إلى مكان الانطلاق. هذان الاثنان هما أحمد صابر (الغد) وإسلام عوض عبد المجيد (التجمع). وقد تم هذا بالفعل ليكون المكان هو سوق السمك الجديد بحى العرب ويكون الزمان هو الساعة الثانية عصراً.

     لم يستغرق الالتقاء سوى دقائق معدودة، ولم يزد العدد الأوْلى للمتجمعين عن 50 فرداً، لكنها كانت النواة الخصبة التى التف حولها فى البداية نحو ثلاثمائة متظاهر، ليصل العدد إلى نحو ألفى متظاهر.

     قوات الشرطة أخذت من الصباح الباكر أهبتها، بكامل مستوياتها وتشكيلاتها ورتبها، لمواجهة المتظاهرين استنفرت، فتزودت بعدة وعتاد الوأد والإجهاض، قوامها الرئيسى هو قوات الأمن المركزى. أكثر مناطق الوجود المكثف لهذه القوات فى: شارع الأمين، شارع 23 يوليو، منطقة طرح البحر، مقار مديرية الأمن، ديوان عام المحافظة، الحزب الوطنى، ميدان الشهداء (ميدان المسلة)، وشارع الشهداء (شارع محمد على) الذى يفصل حى الشرق عن حى العرب، وفى هذا الشارع وأمام كنيسة مريم العذراء تمركزت فرقة الكاراتية التابعة لقوات الأمن وقد ارتدى أفرادها ملابسهم المدنية، بالإضافة إلى توزع بعض القوات أمام المساجد الكبيرة وعدد من الشوارع، لكن المتظاهرين استخدموا من أساليب المراوغة ما خدع قيادات الشرطة والحزب الوطنى والإدارة المحلية، ولم تتوقف مراوغتهم عند حد تغيير مكان وزمان الانطلاق، وإنما امتدت إلى السير بالأماكن التى ضعف فيها الوجود الشرطى، وانتهجوا الأسلوب الزجزاجى فى مسيرتهم بدلاً من أسلوب الخط المستقيم، وأتاح لهم هذا الأسلوب التحرك بقدر من الأمان النسبى فى الشوارع الرأسية والأفقية، على الأقل فى بداية المظاهرة، مما أدى إلى تجميع الأهالى فقويت المظاهرة واشتدت.

 

     من الهتافات التى استنهض بها المتظاهرون أهالى المدينة: "يا أهالينا.. ضموا علينا.. احنا بنهتف ليكو ولينا"، "يا الله يا مصريين.. يالله يا مصريين"، "الصحافة فين؟.. ما تيجوا تصوروا"، ومن الهتافات السياسية والاجتماعية "باسم 30 مليون عاطل.. دستورك يا مبارك باطل"، "يسقط.. يسقط حسنى مبارك"، "ثورة.. ثورة حتى النصر.. ثورة فى كل شوارع مصر.. ثورة على الباشا والقصر"، "هِمَّة.. هِمَّة.. هِمَّة.. والله وهاتزول الغُمة"، "أنا مش همجى ولا عشوائى.. أنا جاى أطالب بحقوقى.. حق أبويا مسامح فيه.. حق أولادى أنا باقى عليه"، "يا بلادنا يا تكية.. سرقوكى، مبارك والحرامية"، "مصر مش عزبة أبوك"، "اللى بيفتح معتقلات.. بكره يحصل السادات". "حسنى مبارك.. باطل. جمال مبارك.. باطل. نظام الحكم.. باطل. مجلس الشعب، باطل. مجلس الشورى.. باطل. فتحى سرور.. باطل.  أحمد نظيف.. باطل. زكريا عزمى.. باطل....."، "غَلاَّ السكر.. غَلاَّ الزيت.. بكرة نبيع له عفش البيت". 

 

     فى نفس الوقت جمع الحزب الوطنى بمشاركة الشرطة شرذمة من البلطجية وصغار التجار الذين دأب الحزب وحكوماته على استخدامهم فى عمليات تزوير الانتخابات وترويع المواطنين لصالح الحزب فى كل ملمة تلم به. انطلقت هذه الشرذمة فى مسيرة مضادة، تصدرها ضباط شرطة كبار يرتدون الزى الرسمى، وتغلغل فيها وحف بها ضباط وجنود شرطة بالزى المدنى والرسمى، وحمتها قوات الأمن المركزى، ورفعت فوقها صورة ضخمة لـ"محمد حسنى مبارك". من هتافاتها: "علِّى الصوت وعلَّى الصوت.. حسنى مبارك مش حا يموت"، "بالروح.. بالدم نفديك يا مبارك"، وقامت باعتراض مظاهرة الشباب فى شارع سعد زغلول (الثلاثينى) فى المنطقة الواقعة بالقرب من محلات الأزهر. وبالأسلحة البيضاء والزجاجات الفارغة والطوب والعصى تحرشوا بالشباب.

 

     هتف الشباب عند قطع الطريق على مظاهرتهم ومواجهتهم بصورة مبارك: "يسقط.. يسقط حسنى مبارك"، "باطل.. باطل"، "الصحافة فين؟.. الإرهاب أهوه"، و"حكومة بلطجية"، بينما أخذ المخبرون وضباط المباحث يتغلغلون بملابسهم المدنية داخل مظاهرة الشباب، وأخذ ضابط شهير بمباحث أمن الدولة يلوح للتجار وصبيانهم بورقة تتضمن ما يفهم منه أن خطوة سوف تتخذها الحكومة لتجديد البطاقات الاستيرادية، مما يعنى أن إلغاء هذا التجديد أمر وارد إنْ لم يتصدوا لمظاهرة الشباب، مما حمسهم ودفعهم إلى قطع طريقها. 

 

     استفز البلطجية شيخاً مسناً بصورة مبارك فحاول خفضها، لكن مؤيدى مبارك أوقعوه أرضاً فغضب للشيخ شاب واحتج، لتحدث اشتباكات مدبر لها بمباركة ومساعدة الشرطة. كان الشرطى يزنق الشاب المتظاهر ليتيح للبلطجى ضربه، الشرطة نفسها أخذت تكيل الضربات للشباب المتظاهر، ثم شرعت فى مطاردة من يهتف  واعتقال من يثبت فى مواجهتهم. امتدت المطاردات من تقاطع شارعى سعد زغلول (الثلاثينى) وإبراهيم توفيق حتى شارع أحمد عرابى حيث ظهرت شراسة الشرطة وعنفها ضرباً وتنكيلاً واعتقالاً.

 

     من المشاهد الدرامية التى حدثت بشارع أحمد عرابى مشهد وقع أمام مدرسة بورسعيد الثانوية التجارية، وسط معمعة الاعتداء الشرطى على المتظاهرين، حيث كان شاب غاضب منفعل يهتف بسقوط مبارك، حاملاً لافتة تطالب بإسقاط النظام  اضطر إلى استخدامها سلاحاً يذود بها عنه ضابط شرطة حاول جهده القبض عليه، وكانت إلى جوار الشاب أمه تسعى إلى سحبه وحمايته من الضابط، لكن الشاب المتحمس لا يستجيب لها ويستمر فى الهتاف "يسقط.. يسقط حسنى مبارك" فلا تجد الأم من وسيلة لحمايته غير الهتاف المضاد "يعيش.. يعيش حسنى مبارك"، وظل الهتافان يتكرران الأول من الابن الثائر، والثانى من الأم الخائفة عليه.

     لجأ بعض الشباب إلى مقر حزب الوفد بحى الشرق، لكن المقر حوصر بسيارات الشرطة والمطافئ والإسعاف، وطلبت الشرطة إخلاء المقر وإلا تم اقتحامه، وبعد مفاوضة قرر الشباب الخروج فى مجموعات منعاً للاختطاف لاسيما أنه كان من بين الموجودين فى الحزب فتيات. أغلبهم اتجه إلى مقر حزب الجبهة فحاصرتهم قوات الأمن المركزى، وبعد تدخل عدد من المحامين سمح للموجودين بالحزب بالخروج ما عدا ثلاثة تم اعتقالهم أحدهم أمين الحزب.

     تعدى عدد المعتقلين 12 معتقلاً واحتجزوا بقسمى شرطة العرب والمناخ، ومع كل هذا السفور أنكرت الشرطة وجود أى معتقلين لديها. طالب عدد من أعضاء الجمعيات الحقوقية، وعدد من المحامين، النائب العام بعرض المعتقلين على النيابة للبت فى أمرهم، ولم يجدوا سوى التباطؤ والتلكؤ. 

     فى المساء جاءنا خبر إصدار وزير الداخلية "حبيب العادلى" لتعليماته بإطلاق الرصاص الحى على تجمعات المتظاهرين بعد منتصف الليل.

 

-4-

 

     فى اليومين التاليين تزايدت الضغوط من أجل الإفراج عن المعتقلين، وعقد محامون مؤتمراً بقاعة المحامين بمبنى محكمة بورسعيد الإبتدائية لإعلان تضامنهم مع المعتقلين، وأعلن عن تشكيل لجنة للدفاع عن المعتقلين ودعمهم. المفاجأة أن المحامى العام قرر الإفراج عن جميع المعتقلين من شباب بورسعيد، لكن لم تفرج الشرطة عنهم واستمرت فى احتجازهم، وبينما تنادى الشباب للخروج الجمعة القادمة تحت شعار جمعة الغضب، قدم رئيس الوزراء فى النظام المنهارأحمد نظيف رشوة نظامه لتجار المدينة بتمديد المنطقة الحرة لمدة سنة فبادر التجار بتجديد ثقتهم فى النظام الفاسد من خلال تعليق لافتات التأييد للطاغية بميدان الشهداء المواجه لديوان عام المحافظة، لتكون فى مرمى نظر المحافظ ومدير الأمن. 

 

     على الصعيد الأمنى، شهدت كل أحياء بورسعيد فى هذين اليومين حملات أمنية بالغة الكثافة، فحرثت الدوريات الراكبة الشوارع والميادين، وانتشرت الكمائن الثابتة فيما لا يمكن حصره من الأمكنة، وإن برزت فى مناطق الكنائس وأقسام الشرطة وحول مديرية الأمن وأمام الفنادق السياحية والبنوك والديوان العام للمحافظة. بالتأكيد هم يستعدون للجمعة الآتية بالغضب، فمن ناحية هم يرهبون الناس كى لا تخرج المظاهرات التى تؤكد كل الظواهر أنها ستطوف بالمدينة بعد صلاة الجمعة، ومن ناحية أخرى، تحسباً إن قامت ـ وهى بالتأكيد ستقوم ـ من وصولها إلى هذه المنشآت. 

 

     وفى مساء الخميس 27 يناير نظم المحامون وقفة احتجاجية ليلية أمام مقر نقابتهم بمنطقة طرح البحر؛ وعلى الرغم من ضرورة التهيؤ لجمعة الغضب التى ستبدأ نهار اليوم التالى، فإن الشباب شاركوا فى هذه الوقفة الليلية. الحصار الشرطى للوقفة كان رهيباً، فقد حاصرت الواقفين أعداد كبيرة من الشرطة الرسمية والسرية وفيالق من قوات الأمن المركزى، ومع هذا تجمع الأهالى والعاملون بمحلات قرية مرحبا المواجهة للنقابة وهتفوا مع المحتجين "الشعب يريد إسقاط النظام"، فهجمت عليهم قوات الشرطة وعمدت إلى تفريقهم، وصعد ضابط أمن دولة وعدد من المخبرين إلى الطابق الثانى من محلات قرية مرحبا وطاردوا من يقوم بالتصوير؛ وحدثت مناوشات لتتحول الوقفة الاحتجاجية إلى مظاهرة عزلتها قوات كثيفة من الأمن المركزى عن الالتحام بالناس والتحام الناس بها؛ وبالإضافة إلى هتاف المحتجين المطالب بإسقاط النظام هتفوا مطالبين بالإفراج عن المعتقلين.

 

-5- 

 

    منذ شروق شمس الجمعة 28 يناير والهمم مشحوذة والجو ملتهب. كثافة قوات الشرطة لا عهد للمدينة بها. والناس متوقدون. الموعد بعد صلاة الجمعة. الشباب مستنفر، ولن يسمح بتكرار ما حدث يوم الثلاثاء الماضى. إلى الساعة الحادية عشرة لم يفتح الجامع التوفيقى . جاء أمين عام الحزب الوطنى وأحد أعضاء مجلس الشورى ومجموعة مستجلبة من منطقة بحر البقر ففتحت الأبواب.

 

     عندما تحدث الخطيب عن وجوب طاعة الوالى وحرمة الخروج عليه وإن كان كافراً، ثارت جموع المصلين وارتفعت أصواتهم تقاطعه "حرام عليك" ولم يمكنوه من مواصلة الخطبة، وعبثاً حاول إكمالها فأصواتهم كانت أعلى من صوته ومن مكبر الصوت، وقام بعضهم بإنزاله عنوة من فوق المنبر، وإنقاذاً لصلاة الجمعة بادر الشيخ مُسَلَّم – و هو رجل دين معروف بالمدينة ـ بإمامة الناس بالرغم من أنه لم يكن خطيب الجمعة يومها.

 

     بعد انتهائهم من الصلاة وقف المصلون على سلم الجامع وهتفوا ضد النظام، وبدأ المتظاهرون ممن أدوا الصلاة فى جوامع ومساجد أخرى، أو لم يؤدونها لكونهم مسيحيين أو غير مواظبين على الصلاة فى التوافد إلى منطقة الجامع التوفيقى. 

 

    من مسجد أهلى يقع عند تقاطع شارعى محمد سرحان (الأمين) ومحمد فريد (كسرى) بحى المناخ خرج المصلون هاتفين باتجاه شارع سعد زغلول (الثلاثينى). وعند تقاطع شارعى نبية وسعد زغلول أمام محل سلسبيلا اعترضتهم حاملة جنود، هبطوا منها بعتادهم وزاموا الزومات المعهودة عنهم، فناورهم المتظاهرون، وتفرقوا إلى شارعين موازيين هما شارعا عدلى ومظلوم، وأفلحوا فى المروق منهم إلى شارع الثلاثينى باتجاه الجامع التوفيقى. 

 

     الخارجون من جامع مريم  الواقع عند نقطة التقاء شارعى الثلاثينى والأمين بحى المناخ وجدوا أنفسهم محاصرين بقوات الأمن المركزى، وباندساس ضباط ومخبرى المباحث بينهم، وإذ يمسك مخبر سرى بتلابيب أحد الشباب عمد المصلون إلى تخليصه فنشب اشتباك وحدث هياج، لكن المصلين نجحوا فى شق طريقهم غرباً باتجاه الجامع التوفيقى.  

 

     قى طريقهم إلى الجامع التوفيقى انتظر الخارجون من جامع مريم خروج المصلين من مسجد فقوسة بشارع الثلاثينى، فلما تباطأ خطيب هذا المسجد فى خطبته، استعجله المصلون به وخرجوا والتحموا مع منتظريهم واتجهوا إلى الجامع التوفيقى حيث كان المتظاهرون الآخرون ينتظرونهم وبدأت المسيرة طوافها. 

 

     تعرض البلطجية للمظاهرة فى ذات المكان الذى تعرضوا فيه لمظاهرة يوم 25 يناير، لكن المتظاهرين لقنوهم درساً شديداً هذه المرة ففر البلطجية إلى الشوارع الجانبية. عاودوا التعرض لهم  فى الطريق إلى ميدان الشهداء واندحروا، وبالقرب من ديوان عام المحافظة حاولت مجموعة من البلطجية التعدى على المتظاهرين لكن المتظاهرين طاردوهم ففروا إلى مقر الحزب الوطنى المجاور لمدرسة بورسعيد الثانوية العسكرية وأغلقوا الباب عليهم، فهجم المتظاهرون على هذا المقر، لكنهم فوجئوا بوجود فتيات وسيدات بداخله. من فرط فزعهن حاولن الوثوب من نوافذ الطابق العلوى، فتراجع المتظاهرون عن اقتحامه وانصرف بعضهم يشكل منظم إلى تمزيق صور مبارك وابنه جمال وزوجته سوزن من شارع 23 يوليو والشوارع المتفرعة عنه.

 

     انضمت كل أطياف الشعب إلى المظاهرة التى طافت شوارع المدينة، وبرز فيها قادة التجمع والوفد والناصرى والجبهة والغد والكرامة وكفاية و6 أبريل ومجموعة البرادعى والشيوعيين؛ وجمعت بين الشيوخ والشباب والعجائز والشابات منذ البداية، أما الظهور اللافت للأخوان المسلمين فبدأ عصر اليوم، فى ميدان الشهداء (المسلة). ظهروا ومعهم مكبرات الصوت، وقد حاولوا إسباغ الطابع الدينى على المظاهرة بالهتاف "إسلامية.. إسلامية"، وأمسك الأخوانى البارز عضو مجلس الشعب أكرم الشاعر بمكبر صوت ليؤكد هذا الطابع إلا أن الشباب منعوهم من هذا، وأكدوا على مدنية التظاهرة وأن لها هتافين مميزين هما: "الشعب يريد اسقاط النظام"، و"تغيير.. حرية.. عدالة اجتماعية". وقد بلغ قوام المظاهرة ما بين خمسة وثلاثين ألف متظاهر (35000 متظاهر) وأربعين ألف متظاهر (40000 متظاهر). 

 

     من طريف ما حدث فى هذا اليوم أن التقت فى شارع الثلاثينى بالقرب من الكنيسة اليونانية مظاهرتان صاخبتان، المظاهرة الحاشدة الهادرة ومظاهرة أخرى تهدر هى الأخرى. بوغت السائرون فى المظاهرة الحاشدة، فإذا بهم دونما اتفاق أو توجيه يكفون عن الهتاف ويصمتون ـ وهم بالآلاف المؤلفة - ليتسمعوا هتافات المظاهرة المقبلة خشية أن تكون من تنظيم الحزب الوطنى. المظاهرة الأخرى سلك السائرون فيها ذات المسلك، فصمتوا وتسمعوا، وما هى إلا لحيظات حتى تبين هؤلاء وأولئك أنهم من ذات الفصيل الثائر فعاد الهدير واندمجت المظاهرتان.

 

     بدأ العنف الشرطى ضد المتظاهرين قبيل الساعة الثانية من بعد الظهر، مصحوباً بدعم من بلطجية الحزب الوطنى الذين اعترضوا المتظاهرين بالسيوف والسنج ومثل هذا تحولاً فى مسيرة المتظاهرين السلمية، فقد اشتد حماسهم وسيطروا على الشارع. من أغرب ما سمعته أن السيوف التى كانت مع البلطجية عند المقر الرئيسى للحزب الوطنى مشحوذة بالليزر(!)..استخدمت الشرطة بنادقها لترويع المتظاهرين، وألقيت قنابل (ربما كانت قنابل صوت)، ثم ألقيت القنابل المسيلة للدموع، والطلقات المطاطية وطلقات الخرطوش (الرش). أول إلقاء للقنابل المسيلة للدموع كان جنوب غربى ميدان الشهداء (المسلة) بالقرب من فيلا المحافظ، أكثر من ثلاثين قنبلة مسيلة للدموع أطلقت على المتظاهرين فى مساحة لا تتجاوز أمتاراً عشر.

 

     بعد الخامسة مساءً لوحظ انسحاب مفاجى لقوات الأمن المركزى ورجال الشرطة من الشارع وأخليت مراكزهم بالشوارع والميادين للبلطجية. ما الذى حدث؟.. رحل الطاغية وسقط النظام، أم هو تكتيك جديد؟.. هو تكتيك جديد. تكتيك إجرامى لا يخطط له سوى المجرمين ولا ينفذه غير المجرمين، ليجد الشباب أنفسهم فى مواقف ما كانوا ليظنون أنهم سيقفونه، فبدلاً من أن يقاوموا آلة الشرطة صاروا مضطرين لمواجهة آلة البلطجة.  

 

     صد شباب أحزاب المعارضة السياسية هجوماً عكسياً شنه البلطجية عند المقر الرئيسى للحزب الوطنى الموجود بحى الشرق (!). قذف البلطجية عدداً من المتظاهرين بالحجارة فى شارع أسوان، وهجموا عليهم بالسيوف والسنج وأطلقوا النيران من "مقاريط" كانوا يحملونها. (المقاريط جمع مقروطة وهى سلاح نارى محلى الصنع). المنافذ الجمركية عند مخارج المدينة فتحت بالكامل، ولم يعد هناك وجود جمركى، وأصبح التهريب متاحاً لكل المهربين. أطلق صباط وجنود قسم شرطة العرب الطلقات المطاطية والخرطوش على المتظاهرين. سقط أربعة شهداء من بينهم طفل عمره تسع سنوات أمام قسم شرطة حى العرب. عرفت أسماء ثلاثة منهم وهم الشهداء: محمد أحمد تميمى، محمد راشد درويش، وطفل قيل إن اسمه هو محمد طه (9 سنوات)، ثم تبين أن هذا الاسم لا يخصه وظل مجهولاً، أما الرابع فرجل كبير مات مختنقاً على ما سمعت ولم أقف على اسمه.

 

     فى حوالى الثامنة مساءً اتجهت الأوضاع اتجاهاً مأساوياً، فقد ظهرت حشود من  أفراد مجهولين أمام قسم شرطة العرب وحطموا واجهته، وأشعلوا النيران فى سيارات الشرطة الموجودة أمام مقر القسم.. منها سيارات أمن مركزى، وسيارات بوكس وسيارات نصف نقل، وفى قسم الخيالة (السوارى). ضمت هذه الحشود صِبية، منهم من كان يرشق مبنى القسم بالحجارة، ومنهم من كان "يشفط" البنزين من تنكات السيارات ويجهز منها قنابل المولوتوف لإلقائها على القسم. باب وحدة شرطة الخيَّالة (السوارى) كان مغلقاً، والخيول بالداخل، والحرائق مشتعلة، وحاول الأهالى وبعض الجنود خلع المزلاج أو كسر الباب واستماتوا حتى خلعوه فأخرجو الخيول لتسلم سيقانها للريح، ومن ورائها رمح الجنود حتى لا يفقدونها.  

 

     لم تتوقف يد التخريب على قسم الشرطة بل امتدت إلى عدد من المحلات التجارية المجاورة لقسم الشرطة فنهبت محتوياتها، كما أشعلت النيران فى خمس سيارات مدنية بشارعى سعد زغلول (الثلاثينى) وصفية زغلول (أوجينى). وتحطم زجاج أكثر من سيارة، ثم اتجه البلطجية إلى قسم شرطة المناخ وحطموه، ثم انتقلوا إلى أقسام شرطة الشرق والزهور والضواحى ونقاط الإطفاء. أحرقوا عدداً من سيارات وموتوسيكلات المرور ووحدة إطفاء بحى المناخ؛ ووقع حادث سطو على محطة الوقود الموجودة بشارع الجمهورية بحى الشرق؛ وفشل هجوم على المستشفى العسكرى. وعلى محلات المشغولات الذهبية بشارع أسوان انقضوا. 

 

     وكان أن بادرت أحزاب المعارضة والقوى الوطنية غير الحزبية فشكلت اللجنة الشعبية للدفاع عن بورسعيد، وشكل الأهالى اللجان الشعبية الخاصة بكل تجمع سكانى، وبدأوا فى تنظيم حركة المرور وحماية المناطق السكنية والمحلات التجارية والبنوك والمرافق، فى الوقت الذى تفجر غضب الأهالى من خطاب مبارك الاستعلائى الذى ألقاه مساء ذلك اليوم وطالبوه، مثلهم مثل سائر المتظاهرين بأرجاء الجمهورية، بالتنحى. 

 

     بعد أن أغلقت الحكومة موقع الفيس بوك، وقطعت شبكة الاتصالات الدولية كلية عن مصر، قال شاب: "إذا قطعت الحكومة الفيس بوك، هانفتح إحنا الناس بوك" وفتحناه بالفعل. 

 

-6-

 

     فى اليوم التالى (السبت 29 يناير 2011م.) أحرق البلطجية منفذ الرسوة الجمركى (المدخل الجنوبى للمدينة) ونهبوا خزانته. وأضرموا النيران فى أقسام شرطة: العرب، المناخ، الزهور، وكذلك نقطة شرطة منطقة الحرية بحى المناخ، ونقطة مطافئ الزهور، ونهبت محتويات إدارة المرور من أثاثات وأدوات مكتبية  وسيارات وموتوسيكلات ولوحات أرقام السيارات. واقتحم مصنع سنمار للكيماويات ونهبت منقولاته، وأشعل سجناء النار داخل سجن بورسعيد العمومى ونشبت معركة دامية بين حرس السجن ومجموعات من البلطجية حاولت اقتحامه، واستقل مجرمون مسلحون سيارات مختلفة الأنواع منها ما يحمل لوحات تحمل اسم الشرطة وسيارات إسعاف وأجرة وملاكى وسيارات نقل ونصف نقل  طافوا بها شوارع المدينة وأطلقوا النيران بصورة عشوائية، واقتحمت أسر الوحدات السكنية التى لم تسلم لمستحقيها؛ بينما قامت القوات البحرية بتأمين جمرك بورسعيد بسد بواباته بعدد من الحاويات (كونتينرز) حتى لا تنهب البضائع الموجودة بمخازن الميناء وأرصفته.

 حريق مبنى محافظة بورسعيد

     كل هذا حدث فى ذلك اليوم الذى وصلت إلى المدينة فيه طلائع الجيش، وشيع فيه نحو مائة ألف مواطن (100000 ألف مواطن) جنازة شهداء الأمس، وهو ذات اليوم الذى أعلن فيه مبارك عبر خطاب ألقاه بعد منتصف الليل اعترافه بالمطالب المشروعة، وبالإصلاحات السياسية والاقتصادية الواجب اتخاذها، وعين مدير المخابرات العامة اللواء عمر سليمان نائبا له (أول نائب له منذ توليه الرئاسة عام 1981م.)، وكلف وزير الطيران المدنى الفريق أحمد شفيق بتشكيل حكومة جديد بدلاً من حكومة نظيف التى أقالها، الشعب البورسعيدى الثائر رفض الخطاب جملة وتفصيلاً. وظلت اللجان الشعبية تحمى السكان والمناطق السكنية.

 

     وكما تتالت حوادث البلطجة والترويع قتلاً وإحراقاً وسطواً، تتالت أيضاً المواقف التى أثبت فيها المواطنون، فرادى ومن خلال اللجان الشعبية، جسارتهم وإيمانهم بمصر الثورة. أعداد هائلة من المجرمين الذين أخرجوا من السجون أو دفعت بهم بعض المدن والقرى القريبة وغير القريبة، هجموا على بورسعيد، فتحولت شوارع المدينة ومناطقها السكنية إلى ساحات اقتتال.. مجرمون يهجمون.. يسرقون وينهبون وأهالى يدافعون.. مجرمون ضد مجرمين، وأسر ضد أسر، ومناطق ضد مناطق.. الأسلحة متوفرة، والشوارع مباحة، وعربات الإسعاف والشرطة تحولت إلى عربات عسكرية، هى وعربات النقل والأجرة والملاكى.. المطاردات فى كل مكان، مواطنون يحرقون سيارات للبلطجية بقنابل المولوتوف، مواطنون يثبون على مواطنين، وأهالى يستعدون فوق الأسطح بأنابيب البوتاجاز.. السيوف والسكاكين والمطاوى والشماريخ والمقاريط كلها باتت أسلحة مشروعة، وصارت لكل حارة ومنطقة سكنية متاريسها وبواباتها وكلماتها السرية الخاصة.  

 

    الإعلام لم يهتم ببورسعيد إلا بعدما أحرق البلطجية مبنى ديوان عام المحافظة ومبنى مديرية الأمن، ولولا ما كان يُبث عبر مواقع التواصل الاجتماعى على شبكة الإنترنت لكان التعتيم تاماً، وبإغلاقها احتكر محافظ بورسعيد الحديث عنها عبر تليفزيون أنس الفقى، وكم كانت أحاديثه مضللة وغير واقعية ومكذوبة.

 

     وإذا كان ميدان التحرير بالقاهرة قد شهد موقعة "الجمل"، فقد شهدت بورسعيد مواقع عديدة أذكر منهما اثنتين. الأولى هى موقعة "اللنشات المسلحة"، والثانية هى موقعة "القلب الشجاع".

 

     نعم هى لنشات وهى مسلحة.. لنشات مزودة بموتورات سريعة، ومن يعتلونها مسلحون بالبنادق والرشاشات. لم يأتوا من البحر، وإنما جاءوا عبر بحيرة المنزلة. فور هبوطهم أطلقوا نيرانهم فاشتبك معهم أهالى المنطقة التى هبطوا إليها. نيران بنيران. لم يجرؤ المحافظ الكذوب ـ أقيل ـ على إخفاء هذه الواقعة واضطر إلى ذكرها فى أحد تقاريره الصوتية للتليفزيون الرسمى. اللنشات جاءت من قرية الشبول. القرية التى تحصنها مياه البحيرة.. وراكبوها جاءوا للانتقام لمقتل بعض ذويهم ممن جاءوا المدينة من قبل فى عربات نصف وربع نقل للنهب والسلب.

 

     أما موقعة "القلب الشجاع" فلها اسم آخر هو "المعدية"، فقد أعد سكان المنطقة العشوائية المسماة بـ"زرزارة" لهجوم على مدينة بورفؤاد للسيطرة عليها واقتحام الوحدات السكنية الخالية بها، وعسكروا لهذ الغرض بالضفة الغربية لقناة السويس بمنطقة مراسى معديات بورسعيد/بورفؤاد فى انتظار مقدم أية معدية من بورفؤاد ليركبونها ويعبرون بها قناة السويس ويهجمون. غير أن شباب بورفؤاد تنبهوا فجمعوا أنفسهم، وصبغوا وجوههم كما فعل أتباع ميل جيبسون فى فيلم "الفلب الشجاع"، وتدرعوا بما يمكنهم التدرع به، وتسلحوا بكل ما طالته أيديهم، وأخرجوا من المعدية خرطوم مياه، ثم قاموا بالخطوة التكتيكية المعروفة فى العلوم العسكرية بالهجوم الدفاعى، إذ استقلوا معدية من المعيات الراسية عندهم واتجهوا بها إلى بورسعيد، وما إن اقتربت بهم من المرسى حتى صاحوا وزأروا صيحات وزئير التخويف، ودفعوا الماء من الخرطوم، ورموهم بما فى أيديهم، فتفاجأ أشاوس زرزراة وفروا من أمام شجعان بورفؤاد، وظل البورفؤاديون فى هجمومهم إلى أن حرروا منطقة المراسى بالكامل ووصلوا إلى شارع الجمهورية، فحصنوا المنطقة بالأسلاك الشائكة التى أتى بها الجيش وتناوب الشباب فى أعمال الحراسة.

 

    أحداث كثيرة شهدتها بورسعيد، ومليونيات كثيرة دعمتها بورسعيد، إما بالشباب الذى دأب على السفر إلى القاهرة والتظاهر فى ميدان التحرير، وإما بالتظاهر والاعتصام والوقفات الاحتجاجية فى شوارع وميادين بورسعيد. دعمت بورسعيد المظاهرة المليونية الأولى بمظاهرة ضمت 40 ألف متظاهر، وما من مظاهرة شهدها ميدان التحرير القاهرى إلا وازتها مظاهرة فى بورسعيد، وكبورسعيديين شاركنا فى جُمعات الغضب، الرحيل، الحسم، الفرح، والإصرار. قبل المشاركة فى جمعة الحسم، تلك التى أعلن، فى ليلها، عمر سليمان خبر تخلى مبارك عن الحكم.

 

     بعد بيان عمر سليمان المقتضب الذى ألقاه مساء جمعة الحسم 11 فبراير 2011م. خرجت بورسعيد عن بكرة أبيها تعلن عن ابتهاجها بتخلى مبارك عن الحكم، وصدحت أنغام السمسمية وامتزجت بسيرينات السيارات والزغاريد المنطلقة من  الشرفات، وازدحمت الشوارع والميادين الرئيسية بالمسلمين والمسيحيين، من الشيوخ والشباب والأطفال، ومن السافرات والمحجبات والمنقبات، وسهرت المدينة فى كرنفال رائع ارتفعت فيه الرايات المصرية، وهبطت أحهزة الـ (دى جى) إلى الشوارع والميادين وعلا الغناء الفرح "اللييله الليييييييييييييييييله.. مبارك غار الليله"، وقالت أم أحد الشهداء إنها اليوم فقط ستقبل العزاء فى ابنها، ودوت الهتافات "تحيا مصر.. تحيا مصر"، "مصر حره.. حسنى بره"، وهللوا وكبروا تهليلات وتكبيرات العيد، وغنوا: "تعيشى يا مصر فى عزة ونصر"، وأضاءت الصواريخ النارية سماء المدينة التى ظلت ساهرة فرحة تتجرع كؤوس النشوة حتى الصباح.

 

     وانقشع أول كابوس.

 

قاسم مسعد عليوة

 

تقييمك هو : None قيم الموضوع من هنا : 5 (1 vote)

AddThis