data="http://portsaidhistory.com/themes/Magedfci/xspf_player_slim.swf?playlist_url=http://portsaidhistory.com/themes/Magedfci/test.xspf&autoplay=1&autoresume=1">

أحدث الصور

في مبنى القبة ببورسعيد أثناء توجه الزعماء الثلاثة جمال عبد الناصر وخرشوف رئيس الإتحاد السوفيتي وعبد السلام عارف رئيس العراق لركو

أحدث الفيديوهات

موقع تاريخ بورسعيد


قاسم مسعد عليوة

 

كتب : قاسم مسعد عليوة .. كثيرة هى الأساليب التى تبتكرها الجماعة الشعبية لمقاومة المحتل والسخرية من صلافته ومناهضة مسلكه القمعى ضدك أفرادها. من هذه الأساليب ما لجأت إليه الجماعة الشعبية بمنطقة قناة السويس حينما فجرت طاقات الغضب المستعر بداخلها وأطلقتها حرائق تمتد ألسنتها عند كل "أورنة" لتلتهم الدمية التى شكلتها على هيئة اللورد الذى طالما أذاق المصريين فى زمن الحرب العالمية الأولى ما لا حصر له من صنوف القهر والاذلال. إنه اللورد " اللنبى " ذلك المتعجرف الذى أفردتْ له الذاكرة الشعبية أحط مكانة، وألصقت به أبشع الصفات. ولم لا وقد زج بالمصريين في الحرب قسراً وبالحيلة، وشكل منهم مجموعات ( الرغوبية ) لخدمة قوات الاحتلال البريطانى، وأجبرهم على تعبيد الطرق وحفر الآبار ورفع أعمدة التليفون بين معسكرات قواته، وارتكب الفظائع فى فلسطين؟

 

     طبيعى والأمر هكذا أن تناصبه الجماعة الشعبية عداءً بعداء، ولا لوم عليها إنْ صورته فى شكل دمية شوهاء تجسد القبح والبشاعة إذ يجتمـعان في هـيئة واحدة أو قامت بتجريسه  وتحويله، وهو اللورد، وهو الفيلد مارشال فيكونت، وهو المندوب السامى البريطانى على مصر إبان ثورة 1919م، إلى مجرد {النبى  {   أو"ألمبي" كما تنطقها الجماعة الشعبية أحياناً، فهى إنما تثأر بمسلكها المتأجج بالرغبة فى الثأر لكرامة الوطن بدهسها لكرامة الظالم، وإذلالها لكبرياء المتجبر، وطعنها لعجرفة كل مستعمر أو صديق للمستعمرين، وهل هناك أذل من تصويره على هيئة الدمية الشعثاء الغبراء التى يتخطفونها ويطوفون بها ويصفعونها ويلصقون بسميها وبامرأته احط النعوت؟.. هذا هو دأب الجماعة الشعبية لا يضبطها فى مسلكها هذا ضابط، ولا تعطلها عنه سلطة، ولا يمنعها من الجنوح فيه رقيب، فلتكن فضيحته بجلاجل، و ليهزأ به أفرادها شر هزأة  وليُترك الصبيان ليفعلوا به الأفاعيل، ولتكن تجريسته تجريسه تناسب أفعاله.

 


     "يا ألنبى يا ابن ألنبوحة، ومراتك ... و شلشوحة" .

 

     ومادامت هذه التجريسة قد نبعت من قلب الجماعة الشعبية، فمن الطبيعى أن تمتزج بما برع فيه الفنان الشعبى من رقص وغناء وموسيقى وتشكيل وفرجة وتشخيص وفنون زف العروس.

 

     المدهش أن تتحول هذه الفنون كلها إلى طقس ملازم لواحد من أهم وأقدم الاحتفالات الشعبية المصرية؛ وهل فى مصر ما هو أقدم من احتفالات شم النسيم؟

 

    تحولت تجريسة اللورد اذن إلى طقس احـتفالى تعــارفت الجماعة على مفرداته وحرصت على القيام بها جميعاً، حرصها على عدم الانتهاء منه إلا باشعال الحرائق الكبرى فجر يوم شم النسيم، وإلقاء دمى "الألنبى"فيها. أقول الحرائق الكبرى ، لأنه يسبقها حريقان صغيران يطلق على أولها حريق "أول إشارة" وعلى الآخر حريق "ثانى إشارة" و الغرض منهما تنبيهى كما يبين من اسميهما.

 

 

 

ابحث عن اليهود

     

     وعادة حرق الدمى موجودة لدى شعوب أخرى، ففى حوض المتوسط نجدها على سبيل المثال في إسبانيا، كما نجدها في اليونان، وإنْ اتخذت فى الدولتين منحى دينيًا، فارتبطت فى إسبانيا باحتفالات القديس "سان خوسيه"، واستهدفت بالأساس طرح الشر عن الجماعة الشعبية هناك و طرد الأرواح الشريرة، أما فى اليونان فقد ارتبطت بعيد قيامة المسيح لدى الطائفة الارثوذكسية، والدمية عندهم من قماش مملوء بالقش وتسمى جوداس Jodas   ، وطقوس حرقها تتصل بواقعة صلب المسيح بمساعدة من يهوذا الاسقربوطى .

 

     إلى هنا يبدو الأمر عادياً، لكن من يصدق أن لليهود إصبعاً ملوثاً بالدم ـ كالعادة ـ سبق        وعكر الاحتفال بهذا الطقس الشعبى الذى أصبح فيما بعد علامة على عرامة الحس الوطنى المصرى؟

 

 


     تبدأ الحكاية فى بورسعيد المدينة الكوزموبوليتانية، التى فتحت ذراعيها منذ نشأتها لكل جنسيات العالم، وسكنها فيمن سكنها اليهود واليونانيون الأرثوذكس الذين ظلوا يمارسون طقس حرق الجوداس إلى أن كان الإعداد لحرقها فى أبريل من العام 1883م، أثناء الاحتفال بعيد قيامة المسيح بكنيسة سان جون الواقعة آنذاك بشارع إسماعيل – صلاح سالم فيما بعد ـ وشهد الصلاة داخل الكنيسة الوجهاء من المصريين والجاليات الأجنبية، أما فى الخارج ـ خارج الكنيسة ـ  فكان هناك جمع غفير من الأجانب وآلاف من الوطنيين، فأوعز اليهود، و كانت أعدادهم قد تزايدت فى المدينة، إلى المحافظ إبراهيم توفيق أنَّ فى الأمر تعريض بهم وخطر عليهم، وكتبوا عريضة يرجونه فيها منع الاستهزاء بهم .

 

 


     ووفقاً لما ذكره "ديمتريوس هالدوبيس" فى كتابه النادر "حقائق وذكريات عن مدينة بورسعيد"، وحسبما روى المؤرخ ضياء الدين القاضي نقلاً عن هذا الكتاب، فقد وفدت إلى مكان الاحتفال ثلة   }أورطة  {   من رجال الشرطة يحملون بنادقهم ذوات السناكى بقيادة ضابط إيطالى، كان فى خدمة البوليس المصرى فى ذلك الحين، لمنع حرق الجوداس المرفوع بالأحبال على سارى جرس الكنيسة. عندئذ دوى صفير وعلا صياح المتجمهرين مطالبين القنصل اليوناني واسمه "فونتاس"، وكان قد حـضر الاحـتفال مرتدياً مـلابـسه الرسمـية المجركسة ومصـطحباً قواصه الخـاص {حارسه الخاص}. طالبه المتجمهرون بالإسراع فى عملية الحرق، إلا أنَّ الضابط الإيطالى أمر رجاله بكسر باب الكنيسة وإنزال العَلم اليونانى والجوداس من فوق برجها، أكثر من هذا، أمسك بمقبض سيفه المعلق إلى جنبه مهدداً القنصل، فأحاط به أبناء (جزيرة كاسوس) لحمايته وأخذوا فى الصياح بأن حياتهم فداء لقنصلهم، وأطلق بعض اليونانيين الأعيرة الصوتية   "الفشنك  "   فى الهواء، فحمى وطيس الشغب واندفع القنصل إلى الكنيسة ليحتمى بها، و أمر بإغلاق النوافذ والأبواب بينما انبطح مَن بداخلها أرضاً؛ أما مَن كان خارج الكنيسة مِن مصريين وأجانب فقد دارت بينهم وبين {أورطة} البوليس معركة طاحنة، انتهت بالاستيلاء على أسلحة الجنود وجرح الضابط الايطالى وسقوط عدد من الجرحى من يونانيين ومصريين، وتوفى أحد الشوام كان يبيع غازوزة وقت الاحتفال.

 

تحويرات الدمية

 

     تدور الأيام ويفور تنور الغضب الشعبي مع ثورة 1919م. وتنهض الدمية من جديد مصرية، بورسعيدية هذه المرة، ومحاطة بغضب وطنى مستعر. غضب يستفز مشاعر الجماعة الشعبية فيطلقها باتجاه المقاومة، ويوغل البورسعيديون في سخريتهم مِن غطرسة المحتل، ويجتهدون في التريقة على اللورد الفيلد مارشال فيكونت "اللنبى"، الذى هو كما صورته الذهنية الشعبية واحد من أبشع رموز الاحتلال البريطانى للبلاد.

 

     " يا تربة يا أم بابين ..

      و ديتي الألنبي فين ؟ "

 

     وتحورت الدمية لتأخذ هيئات وأسماء كل من يعادى الجماعة الشعبية أو يشذ عنها ففى حرب 1956م. أخذت هيئات وأسماء إيدن، بن جوريون، موليه، ونورى السعيد. وفى حرب 1967م. أخذت شكل موشي ديان ثم ليفى أشكول مع حرب الاستنزاف، وفى حرب 1973م. تحولت إلى جولدا مائير، وفى زمن الانفتاح اتسعت ظاهرة التحور هذه لتشمل الفئات الجشعة من التجار، والأطباء، والمدرسين، والحلاقين، وحكام الكرة المتحيزين، ومعدومي الضمائر كمروجي المخدرات وغيرهم، وفى أوقات الخصام مع الحاكم الليبى معمر القذافى اتخذت الدمية هيئة معمر القذافى، وفى أول احتفال بورسعيدى بشم النسيم وفى عنفوان ثورة 25 يناير 2011م. اتخذت الدمية هيئات مبارك وأفراد أسرته ورموز البطش والفساد فى حاشيته. وانتقلت دمية الألنبى إلى ميدان التحرير متخذة سمت مبارك، وتدلت متأرجحة من سماء هذا الميدان، ومن سماوات عدد من ميادين وشوارع المحافظات، وعند تأجج الأحداث التى تلت أيام العنفوان الثورى عاودت الظهور فى محاكمات شعبية لمبارك والمحيطين به، وفى نعوش تقدمت جنازات طافت بشوارع عواصم محافظات غير قليلة.

 

     الجديد أن الدمية اتخذت هيئة د. محمد مرسى فى المظاهرات التى اجتاحت بورسعيد بسبب الغضب العارم عليه وعلى جماعة الأخوان المسلمين وحزبها السياسى (الحرية والعدالة) بسبب التعامل غير العادل مع أهالى المحافظة، على خلفية حادثة ستاد المدينة الرياضى، واستخدام الشرطة للعنف المفرط يوم النطق بالحكم فى القضية مما أدى إلى مصرع 52 مواطناً بورسعيدياً.

 

   


     مع هذه التحولات الطارئة على الدمية، وهى تحولات مصبوغة بصبغات وطنية وسياسية، لعبت دمية   }الألنبى  {   أدواراً اجتماعية ملحوظة فى المجتمع البورسعيدى، فأغلب الأسر كانت تصنع دمى متعددة لكل فرد من أفرادها حسب سنه ونوعه فالطفل الصغير له "ألمبى" صغير، والكبير له "ألمبى" كبير، وإذا كان الولد له "ألمبى" بقميص وبنطلون، فالبنت لها "ألمبيايه" بجيبة وبلوزة أو بفستان وجلابية، حسب الموجود، وكانت البيوت قبل يوم شم النسيم تظل عامرة بالحركة المرتبطة بصناعة "الألمبيات"، وما أن تنتهى كل أسرة من صناعة "ألمبياتها" حتى تسارع برصها على حواف الشبابيك والترسينات.

 

    الطفل الصغير الذى لا تصنع له أسرته "الألمبى" الخاص به يظل يبكى أو يصرخ، أو يهدد أسرته بـ"الطفشان من البيت" أو "عدم المرواح للمدرسة" حتى يحصل على مراده.

 

     حظه العاثر العريس الذى يفسخ خطوبته قبل الاحتفال بشم النسيم، إذ لا يأمن أن تقوم أسرة خطيبته بتصميم دمية على هيئته، وقد تعلق فى عنقه فردتى حذاء قديم، وتكتب اسمه على صدر وظهر الدمية، أو اسم أى مغضوب عليه، وتقوم بتجريسها وإلقائها فى نار الاحتفال.

 

     هذا كله غير "ألمبيات" الشبان الذين يصنعونها فى الحارات والشوارع باحتراف، وإن انتهوا منها علقوها بالأحبال التى يمدونها بين تراسينات البيوت فى الطوابق العلوية، أو "يشبحونها" على أعمدة البيوت الخشبية، أو يرصونها فوق الأرصفة أو بجوارها.

 

     الحارات كانت تتنافس مع بعضها البعض، لمعرفة أى الحارات أكثر تمايزاً، ليس فقط  فيما يتعلق بعظم أحجام "الولايع" المشتعلة قـُطرًا، وارتفاعًا، وطول فترة الاشتعال، ولكن أيضا بضخامة وكثرة وجمال "الألمبيات" وطريقة التجريس وعدد المشاركين فى التجريسة.

 

     وللتنافس زاوية أخرى، ومجال آخر، صحيح أنه متصل بـ"الوليعة الكبرى" لكنه سابق عليه، إنه مجال "الوقِيد"، فكيف ستتقد النار بدون "وقِيد"؟، وكيف ستتسع عرضًا وتعلو ارتفاعاً ما لم يكن هناك "وقيد كتير"؟.. لذا فلابد من الاجتهاد فى تحضيره. "الوقِيد" الأمثل هو أقفاص الجريد التى تجلب من سوق الخضروات والفاكهة، وطبيعى أن تخزن هذه الأقفاص فى الخرائب والمناور وفوق الأسطح وتحت أبيار السلالم، يلى أقفاص الجريد فى الأهمية "الموبيليا" المتهالكة و"كراكيب" البيوت، و"أهى فرصة ننضف البيوت ونظهر بمظهر مشرف بين الحارات، وكمان نطهر جو الحارة من الميكروبات". كان هذا هو المعتاد، إلى أن اكتشفت أهمية "البُلاك" الذى يستخدم فى رصف الطرق و"كاوتشات العربيات"، فإلقائها على "الوليعة" يؤججها تأجيجياً؛ فصارت براميل "البُلاك" تـُخطف من أماكنها، و"الكاوتشات" تجمع وترص فوق بعضها البعض.

 


     وبسبب التنافس ليس إلا، ولعدم إتاحة الفرصة لكى تكون أى نار أعرض أو أعلى من نار الحارة الراغبة فى نيل شرف الفوز فى التنافس، وكل الحارات ترغب فى هذا الفوز، ظهرت "الكَرْيَنَة". و"الكرْيَنَة" بمختصر العبارة هى السرقة.. سرقة الأقفاص و"الكاوتشات" وبراميل "البُلاك". وأعِدَّت للـ"الكرْيَنَة" أسياخ معقوفة وخططايف، وعند القيام بحملات السرقة هذه، كثيراً ما تـُسمع فى الحارة المسطو عليها عبارات من نوع "كَرْيـِن يالاه"، "هات يالاه"، "إجر يالاه".. وعادة ما تكون هناك مطاردات ومشاجرات وحملات "كَرْيَنَة" مضادة.

 

     غير هذه الحملات كانت هناك أيضاً حملات الشرطة.. لذا كانت أرصفة أقسام الشرطة مكتظة قبيل يوم شم النسيم بالمُصَادَر من "الوقيد" لاسيما "كاوتشات العربيات"، التى كانت ترص إلى جوار بعضها البعض، وفوق بعضها البعض، بصورة تخفى بعض جدران هذه الأقسام.

 

     لمواجهة الحملات من النوعين كان لابد من تعيين حراسات فى الحارات تتولى حماية المخزون من "الوقِيد" طوال النهار والليل.

 

     اكتشاف "البلاك" و"كاوتشات العربيات" كان فى حقيقته لعنة، ليس فقط لأنه يفسد الهواء بدلاً من أن يطهره، وإنما أيضًا لأنه "يهبب" الغسيل وحباله، لكن ما الحيلة وبدون هذا المستجد لا ترتفع ألسنة "الولايع" لـ"تراسينات" الطوابق العلوية؟     

 

     ما سبق كان من ناحية المضمون، أما من ناحية الشكل فقد بدأت الدمية بسيطة ساذجة. بداية تعتمد على حشوة من الخرق والهلاهيل وقش الأرز، ولكن يد الفنان الشعبى البورسعيدى ألبستها المستغنى عنه من الثياب، ثم استحضرت لها الثياب والأحذية والطواقى والإكسسوارات المخصوصة. الكفان كانا مبتورىّ الأصابع فنحتها لهما الفنان الشعبى وأدخلهما فى قفازين من قماش أو جلد. والوجه القماشى ما لبثت خِلقته أنْ تحسنت: الأنف الأفطس زُرع، والأذنان الغائبتان استحضرتا، والحاجبان رُسما، والعينان كـُحلتا، والشفتان حُددتا، والرأس الملساء غطيت بالشعر المستعار، إلى أن جاء العام 1977م. ودخل مشهد صناعة الألنبى الشاب "محسن خضير"، فأحدث طفرة فى أشكاله وتبدلاً فى آليات تنفيذه، واستحدث منصة للعرض، واستخدم حصى الجوز وبودرة التلك والخشب والجبس والاسمنت. لوَّن وزركش ونوَّع وقدم دمية {الألنبى} حسب الرؤى السياسية والاقتصادية والاجتماعية والرياضية والأخلاقية المتكاملة، رؤى تشكيلية مشهدية تسخر وتنتقد ، تؤنب وتصلح.

 

     ولا تزال الدمية مع كل هذا تحمل اسمها الأصلى {الألنبي} أو "الألمبي"، وما يزال الطقس مستمراً حتى الآن، فما من شم للنسيم إلا طافت فى الليلة السابقة عليه دمى {الألنبي} بشوارع  المدينة، ويستمر هذا الطواف حتى فجر الاثنين، عادة انتقلت من بورسعيد إلى أختيها الإسماعيلية والسويس. وكانت ذات العادة ـ عادة حرق "الألمبى" ـ قد انتقلت، هى وطقس حرقها، أثناء الهجرة التى أجبر عليها أبناء المدينة ( 1969م. ـ 1974م. ) إلى عدد من مدن الدلتا والوادى، وعادت إلى المدينة مع عودتهم.

 

     وللطقس بداية قوامها ـ كما سبق الإيضاح ـ إشارتان تمهيديتان عبارة عن "وليعتين" صغيرتين تشيران إلى أن الطقس سيمارس هنا فى هذه "الأورنة" أو تلك؛ وله ذروة تتحقق بإلقاء الدمية إلى النار التى هى "الوليعة" الكبرى؛ أما النهاية فلا تأتى إلا مع "شقشقة النهار"، فيترك رماد "الألمبيات" لتذروه الرياح، وتبدأ الأسر فى مغادرة الكتل السكنية وتمضى ببيضها وفسيخها ورنجتها وبصلها وخسها و"ملانتها" باتجاه الحدائق أو البحر أو الترعة الحلوة، ما تميز به الترعة الحلوة أنه يمكن للأسر المتجهة إليها أن تستمتع بتذوق درنة "الجـِدْرة" التى يحصولون عليها من الفلاحين هناك.

 

     الأمر ليس يسيرًا، كما قد يتخيل البعض ممن لم يعايشوا هذا الطقس، فغالباً ما يختلط الغناء والرقص والتشخيص باشتباكات ومطاردات متبادلة بين رجال الشرطة، بخوذاتهم وخيزراتهم وسيارات إطفائهم، والمتشبثين مِن أفراد الجماعة الشعبية بنشوتهم المشتعلة ناراً وفرحاً، فيهتفون في مواجهة الدروع و الخيرزانات.

 

    " أه يا حليلة ..

     حانروح السجن الليلة ".

 

     هذا الطقس الاحتفالى هُدِّدَ بالاندثار بعد دخول الغاز الطبيعى لمدينة بورسعيد، فقد لجأت جهة الإدارة فى بورسعيد إلى تنظيم الحرائق فى أماكن معينة، لكن متى كانت الجماعة الشعبية تأبه لأى تنظيم يأتى من خارجها؟.. فها هى الدمية تقاوم فناءها، وها هى حرائقها تقوى مِن جديد.

 

 

 

                                                                                   قاسم مسعد عليوة

أبريل 2013 

تقييمك هو : None قيم الموضوع من هنا : 5 (1 vote)

AddThis